إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

الإنسان

هل نعيش لنحلم ونحلم لنعيش؟

هل نتخلى عن الكثير في سبيل الأوهام الزائفة والأماني المستحيلة؟

كنت أنظر إليها بغضب وهي ترتشف فنجان قهوتها وتسأل بلا رحمة:

– كيف تعرفتِ عليها؟

— قبل ثلاثة أعوام، كان الوقت مساءً .. خرجت من شقتي إلى الشاطئ القريب منها

– يوم زواج زوجك.. أليس كذلك؟

— نعم يومها.. ضاقت الدنيا بي، لم أعلم ماذا علي فعله، تركت منزلي وذهبت إلى الساحل الغربي، استأجرت شقة قريبة من الشاطئ، كنت بحاجة لمكان كهذا أغسل روحي مما تحمله من الآلام والانكسارات وخيبة الأمل من جميع الأشخاص الذين قابلتهم في محطات حياتي. آه.. بكيت كثيرًا ذلك المساء وتمنيت أن أُخرج صرخة قوية ولكني لم أستطِع أن أفعلها. اقتربت مني امرأة في بداية الأربعين.. هكذا بدا لي، معها أربع بنات.. أكبرهن تبدو بالعشرين وأصغرهن في الخامسة عشر، وتحمل بيدها طفلاً صغيرًا كان هادئًا، تمنيت وقتها أن أضمه إلى صدري.. سألتني بصوت متردد:

– لست من هذي المنطقه.. صح؟

التفت إليها مرددة (نعم.. نعم رحلة استجمام).

جلستْ بجانبي وهي تُعَرفني بنفسها وبناتها، كنت أتأمل طفلها الصغير وحلم الأمومة يستيقظ بقوة، يحرقني حتى النخاع، تمنيت أنه طفلي؟!

– ولكنكِ عقيم؟!

– أعلم ذلك ولكنه حلم من أحلام كثيرة مستحيلة التحقيق. آه يبدو أن علينا أن نحلم لنستطيع الاستمرار فوق سطح الأرض.

آه.. حدثتني عن زوجها المحب لها وأسرتها الرائعة ومنزلها الفخم، كنت أسمع فقط وأتأمل الأمواج وهي ترتطم بالصخور ثم تعود أدراجها.. هل هي الرغبه بتحقيق المستحيل، أم أنه الإصرار على إثبات الوجود؟

كنت أنظر حولي وأنا أكاد أختنق حزنًا على نفسي وعلى حياتي التي تدمرت. حاولت جاهدة أن أحبس دموعي، التفت حولي لعلي أجد شيئاً يستحق أن أشاهده. سألتها:

– وماذا ينقصكِ؟ لديك كل شيء
ما زلت أذكر بريق عينيها وهي تحدثني عن أحلامها:

– أنا متخرجة من الجامعة منذ سنوات طويلة ولم أتعين حتى الآن، أحلم أن أصبح معلمة، فأنا أحب التدريس كثيرًا. أنا أعيش على هذا الحلم، هو سبب سعادتي؛ عندما أتخيل أنني حققته أشعر بالسعادة، وعندما أفقد الأمل أكره نفسي وحياتي.

دُهشت كثيرًا منها.. حاولت إقناعها بأن لديها ما هو أفضل من حلمها.. لديها ما تحلم أي أمرأة بامتلاكه: (الزوج المحب، والأسرة، والمنزل الجميل). وعبثًا حاولت إقناعها

– وماتت قبل أيام.. نعم ماتت -رحمة الله عليها- ماتت قبل أن تحقق حلمها.

– وهل الدنيا هي كل شيء؟ أين الإيمان بالله؟ والجنة.. أليست حلمًا نسعى جميعًا لتحقيقه؟

حركت رأسي موافقة، وعدت بالكرسي إلى الخلف وصديقتي تردد بعصبية: “نصلي ونصوم ونرجو الآخرة ثم نبكي على هذي الدنيا”؛ ابتسمتُ بحزن والتقطت حقيبتي من خلف الكرسي الذي أجلس عليه، وقفت مستأذنة بالرحيل، لوحت بيدها مُودِّعة وأنا أبتعد عن المقهى وأقترب من سيارتي وصوتها يرن بأذني (نصلي ونصوم ونرجو الآخرة ثم نبكي على هذي الدنيا) فتحت حقيبتي أبحث بداخلها عن مفتاح سيارتي وصورة المرأة ما زالت عالقة بمخيلتي، وصوت صديقتي يعصفني بقوة وأنا ما زلت أبحث عن المفتاح دون جدوى.

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

‫36 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى