إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

سحر الكنانة

للمحروسة سحرها الأخاذ. أمضى قريبٌ ما يقارب الثلاثين عامًا ولا يزال في رحلات مكوكية من وإلى مصر لتسيير أمور تجارته، وإن كانت تسير –الآن- دون عناء منه. آخرون بعد أن استقر في أيديهم المال اشتروا المسكن هناك، ولكن تبقى زياراتهم خاطفة. وحده “مفرح ”  كان مختلفًا، كأنما هجر الديار أيام عودته تباعدت، أصبحت قصيرة ما إن يستقر حتى يغالبه حنين العودة.

عهدناه دائم السعي، في بداياته طوي الأيام عابرًا -بشاحنته- الحدود، كان صاحب تجربة ثرية في الحياة، لا يمل السامع حديثه العذب عن أشجار التفاح والكرز، عن الجداول والمروج وجبل الشيخ، عن الدبكة والصبايا الحِسَان. رغم نجاحه إلاَّ أنَّ شيئًا ما اعترض مسير تجارته.

مصر كانت نقطة التحوّل وخاتمة الطريق.

لا أدري ما الذي أتى به إلى بلبيس في مصر.. أهي المصاهرة؟! كيف واتته الفكرة؟ أن يستصلح أرضًا زراعية في ذلك المكان القصيّ؛ شيء يصعب تصوّره، كان عازمًا على تحقيق ذلك الحلم، في سبيله صرف الكثير من المال والجهد والصبر، اخضرت الأرض، وبنا فيلا يسيل لها اللعاب، ومع ذلك عزفت عنها زوجته.. ابنة بلبيس، فضلت البقاء في المدينة، بقدر ما كان متشبثًا بقدر ما زهدت في مشاركته الحلم.

في إحدى عوداته الاستثنائية دعاني لزيارته في بلبيس، ظروف حالت دون تلبية الدعوة، ومع ذلك أبديتُ اهتمامًا بتجربته، بدت لي خروجًا عن المألوف فيها تحرر من القيود، واقتحام للمجهول وعودة للطبيعة.

في البداية نصحه البعض ولامه كثيرون، ومع ذلك لم تنثنِي إرادته، بعض مَن زاروه أبدوا تحفظًا؛ قالوا إنه وحيد ويجهد نفسه فيما لا طائل منه، رغم إعجابهم بالمستوى الذي وصلت إليه مزرعته ومساحتها الشاسعة، إلاَّ أنه خسر ويخسر الكثير. ومع ذلك ماضٍ هو في طريقه، عازم على إتمام ما بدأ؛ هل فقد حذاقة التاجر؟!  أكان سعيدًا كما يدّعي؟ ذلك ما لا نعلمه، لا أحد يستطيع أن يجزم.

أحيانًا يتملكّني الضجر من صخب وضوضاء المدينة، أنفر من وجهها الأسمنتي القبيح.. أجد له العذر وأتساءل إن كان خياره صائبًا؟ لو قُدّر لي أن أكون مكانه لما سرت على نفس النسق. صحيح أنني أجلُّ الريف، وحلمي العيش فيه مثلما فعل الفخراني في هجرته المعاكسة إلى الريف، فيلم (خرج ولم يعد)، ربما أفضّل لو كنت محمد أفندي المدرس الذي يحمل خبرات ولؤم أهل المدن، ويعيش في الريف (محمد منير في فيلم الطوق والإسوارة).

ومع ذلك أبقي حلمي دفينًا، أقرب للموت منه للحياة، لا أتنازل عنه، ولا أسعى لتحقيقه، يكفيني أنه ينام داخلي كلؤلؤة في قاع البحر حبيسة صدفة يهدهدها الماء.

أمّا هو فقد تحققت فيه نبوءة الشيخ الحكيم حين قال: “مفرح.. سيعود إليكم من مصر في تابوت”.

بقلم/ عوض نايف

مقالات ذات صلة

‫50 تعليقات

  1. عبارات لها معنى ومضمون ..صياغة منسابة وعذبة اهنئك على هذه الملكَة والابداع وأساأل الله لك التوفيق

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى