إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

نافذة عبر الزمن (٤)

شكر الرجل العجوز على جميل صنعه وحسن معاملته، وإنقاذ حياته -بعد الله- من موت محتم. ومضت الأيام سريعًا.. وبعد مضي ثمانية أشهر، ها هو يساعد الرجل العجوز في تشذيب الأشجار وجنى الثمار. استعاد صحته وقوته لكنه لم يستعد قلبه الممزق النازف من ألم ظلم زوج والدته وكذلك من ألم خيبة أمله في أمه التي آثرت البقاء بجوار ذلك الرجل وتركه وحيدًا؛ قرر أن يبدأ حياة جديدة ثم يستعيد كل ماله الذي استأثر به زوج أمه.

توجه بخطى ثابتة نحو الرجل العجوز، وقال: “يا عم  أستأذنك بالانصراف والرحيل؛ فقد طال بقائي هنا واشتقت للعودة لأهلي وسوف أزورك من حين إلى حين، ولن أنسى ما قمت به من أجلي وما فعلته من معروف معي”.

قال الرجل العجوز: لا تشكرني يا ولدي على هذا، ما فعلت إلا ما كان يجب فعله، ولو كنت مكاني لفعلت لي ذات الأمر، وفقك الله يا بني، وكم أتمنى أن تبقى معنا وقتًا أطول وسوف أوفر لك وظيفة مناسبة؛ فأنت أخبرتني أنك خرجت من أهلك بحثا عن وظيفة؛ سأجعلك مشرفًا على ممتلكاتي هنا وذلك بعد أن لمست أمانتك وجهدك في العمل معي خلال الأشهر الماضية. رغم مرضك كنت تساعدني في أعمالي دون أن أطلب منك ذلك.

أجابه فورًا: لا ياعم لقد فعلت الكثير ولن أثقل عليك مطلقًا، سوف أبحث عن عمل وسوف أوافيك بكل أخباري من فترة لأخرى، فقد وجدت فيك الصاحب والصديق والوالد والأخ طيلة فترة بقائي لديك.. فجزيل شكري لك على كل ما فعلت حتى الآن.

حان موعد الرحيل.. وها هو يودع الرجل العجوز بعد أن وعده بالعوده قريبًا.

وانطلق في طريق مجهول.. لا يدري أين ستأخذه الأيام، وماذا يفعل به القدر. طلب من صاحب السيارة التي كانت تقله أن يذهب به لمواقف الحافلات، وهناك شاهد وجوه المسافرين تعلوها أنواع المشاعر: هناك الحزين على وداع أهله، وهناك الذي يحتضن أطفاله وهو يتألم لوداعهم، وهناك المبتسم للقاء أهله وذويه بعد طول غياب. كانت الوجوه رسل أصحابها ومرايا تعكس ما يجول وسط القلوب من مشاعر، توجه نحو مقعد فارغ وجلس عليه في انتظار بدء الرحلة نحو وطن مجهول وعالم لا يعلم عنه شيء، ومن هذه المحطة ستبدأ حياة أخرى، وسيعود حتما بعد أن يحقق أحلامه، هذا ماكان يحدث به نفسه ولكن قطع حبل أفكاره ذلك الشاب الذي قال: هل رأيت طفلة صغيرة تمر من هنا، فأنت تجلس هنا منذ وقت طويل، قال له: لا لم أشاهدها ولكن أستطيع مساعدتك، كم عمرها وما اسمها؟، ولكن قبل أن يكمل جملته وجد الطفلة الصغيرة مسرعة نحوهم وهي تقول: لقد اشتريت بعضًا من الحلوى لي ولك يا أخي، ولكن الشاب صفعها بقوة ثم أحتضنها وهو يبكي ويقول ألم أقل لك لا تبتعدي عني أبدًا؟ ألم أخبرك دائما أن هذا العالم مخيف وقد تتعرضين للخطر؟ وبدأ يهز الطفلة بكل قوة وهي تبكي؛ وجد يدًا تمتد وتمسك بالطفلة وصوت غاضب أجش ينهره وبقوة “اترك الطفلة ولا توبخها على أمر بسيط هكذا.. يالك من قاسي القلب”. لكن الشاب دفعه بقوة وقال: “وما شأنك أنت”، وقام بشد الطفلة لجواره، لكنه عاد وانتزعها منه بقوة وقال: “أي أخ أنت لقد ألمت قلب الصغيرة.. لا لشيء سوى سوء ظنك بالبشر، إن العالم بخير ولكن أنت القاسي الذي مزقت فرحة صغيرة ليس لها ذنب سوى أنها أرادت إسعادك ببعض الحلوى”، حمل الصغيرة ورفع يده يمسح دموعها التى سقطت تباعا إثر توبيخ أخيها لها، وقال لها: “لا تخافي، أنا صديقك ولن أدعه يفعل ذلك بك مجددا؛ ابتسمت الصغيرة وفي ذات الوقت نظرت لأخيها، فهي لا تريده أن يغضب منها، فهي تحبه كثيرًا وتعلم أنه فعل ذلك خوفًا عليها.

كان الشاب  متسمرا بمكانه والغضب يكاد أن يفجره من هذا الغريب المتطفل الذي اكتسح عالمه في لمح البصر. وقف بثبات وقال: “أنزل أختي أريد الذهاب معها فليس لدي وقت للجدال معك أيها المتعجرف” رد ببرود يشبه الموت لن أعطي طفلة صغيرة وضعيفة لشاب شرير مثلك فأنت لا تستحقها، صرخ به بعد نفاد صبره “دع عنك المواعظ وأنزل أختي فلست بحاجة لمواعظك، ولا يهمني رأيك مطلقًا”. هنا  اقترب بطلنا من أذن الصغيرة وهمس لها بصوت منخفض وأنزلها وذهب، كان أخو الصغيرة يستشيط غضبًا منه كيف سيطر على شقيقته في بضع ثوانٍ وكيف تجرأ على مخاطبته بهذه الوقاحة؟.

هنا سمع صوت صاحب الحافله يأمر الركاب بالصعود؛ أخذ حقيبته الملقاة على الأرض وأمسك بيد شقيقته، سار للحافلة بعد أن وضع حقائب سفرهم في الشحن الخاص بالحافلة، جلس بجوار شقيقتة وانطلقت الحافلة مسرعة خارج حدود هذا الوطن الذي لن يراه بعد اليوم. بكي كثيرًا وهو يستعيد ذكريات الطفولة في هذه الأرض، وكيف كان ينعم بحياة الترف والجاه بصحبة والديه -رحمهما الله- لكن لآن ها هو يغادر لعالم مجهول سيجمعه بعمه الذي لم يره يومًا ولم يكن له صلة به طيلة حياته. كان الأسى والحزن يسيطران على ملامحه وهو يردد: يا الله.. كيف ستكون حالي وحال شقيقتي وكيف سيكون استقبال هذا العم لنا.هنا تنبه على صوت بطلنا وهو يقول الصغيرة تنام وتصطدم بالنافذة وأنت شارد في عالمك، اهتم بها قليلًا واترك عنك الشرود. قال شقيق الطفلة له: “ارفع وصايتك عني يا هذا وإلا أبرحتك ضربًا الآن، وشقيقتي لا تقترب لها وإلا مزقتك إربًا إربًا.. هل تفهم ما أقول؟”.ساد الصمت بينهم برهة من الزمن ثم عاد بطلنا ليقول ولماذا أنت غاضب مني فقط لأنني حريص على حماية الصغيرة من إسقاطاتك عليها، ليس لها ذنب فيما يدور في داخلك وما تعايشه من صعوبات الحياة، إنها ما زالت طفلة صغيرة لا ترى العالم سوى من خلالك ولا ترى بهجة الحياة سوى وجودك بجوارها، ألم تراها وهي تحضر لك قطع الحلوى بكل سرور وفي المقابل قابلت أنت ذلك بالقسوة والتوبيخ لها، ألم تفكر للحظة بمقدار الألم الذي وقع على قلبها الصغير؟؛ هنا سالت دموع الشاب وعلا نحيبه وهو يقول يا أنت لا تزِد علي مواجع الحياة ولا تحملني من أمري عسرًا.. حقًّا أنا أشكرك على ما فعلت من أجل توضيح الأمر لي، لكنك لا تعلم ما أعانيه في هذه الحياة، فقال بطلنا: “إذًا يا عزيزي، اروِ لي حكايتك لنتقاسم مرارة الحياة ونجد حلًّا لصعابها” نظر له بعينين متفحصتين وقال: “هل أعتدت أن تقحم نفسك في حياة الناس أم أنك فضولي لدرجة لا يمكن تخيلها”، هنا ضحك بطلنا وقال: “بل هي ملامح الحزن التى جعلتك تشبهني، والطيور على أشكالها تقع، ألم تخرجني من دوامة أفكاري حين سألتني عن الطفلة الضالة؟ ألم تجدني سارحًا في بحر أفكاري؟ ألم تنتشلني من عمق تلك الأفكار؟.

ومن هنا بدأت تذوب بين البطلين  ثلوج سوء الفهم؛ وبدءا يتجاذان أطراف الحديث، وعرف بطلنا قصة الشاب وشقيقته، وأنه ذاهب الآن لعمه الثري ليقطن معه ويبدأ معه حياة جديدة، قد تكون سعيدة وقد تكون تعيسة؛ حيث كان عمه منقطع عن العائلة منذ زمن بعيد، كما أن هناك توتر حاد وخلاف كبير بينه وبين العائلة، لم تذكر العائلة سببه، ولا تعرف حقيقته. وأخبره بطلنا بدوره حكايته وأنه قد فر من ظلم زوج والدته وسيعود حتمًا لوضع الأمور في نصابها.

وبينما كان بطلا قصتنا يتحاوران …

بقلم/ موضي المطيري – القيصومة

مقالات ذات صلة

‫40 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى