إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

العصر

هل معنى الاستمرار في الحياة أن نعيش غير عابئين بكل من حولنا.. نسير فقط في طرقات الحياة دون توقف حتى نفقد ملامحنا ونجد أنفسنا اجسادًا بلا روح؟ هل مشاغل الحياة تفقدنا إحساسنا بالحياة نفسها؟

كانت سهام تقرأ كتابًا جديدًا، اشترته منذ أسبوع ولم تستطع قراءته لانشغالها في أعمال الوظيفة. اليوم الخميس، نهاية الدوام لأسبوع شاق من الأعمال. عندما همت سهام بالانصراف كانت تُمنّي نفسها بالنوم إلى المساء، ثم الإسراع بقراءة الكتاب كاملًا، دخلت إلى المنزل ولكنها لم تسمع أي صوت، أدركت وقتها أن ابنها وابنتها نائمان، هكذا يقضون الإجازة ما بين النوم ومشاهدة التلفاز أو اللعب في الأجهزة الذكية؛ حاولت أن تصنع بداخلهما حب قراءة الكتب، ولكن دون فائدة. كان الوقت مساءً عندما استيقظت من نومها، صلت صلاة المغرب ثم جلست على كرسيها المفضل ووضعت قهوتها العربية على الطاولة التي أمامها، تقدمت منها ابنتها لتسألها، لم تُجب؛ كانت غارقة في تأمل كلمات الكتاب، التفتت الى ابنتها: ماذا هناك؟

– لا شيء

قالتها ابنتها ثم انصرفت مسرعة إلى غرفتها (يبدو أني مشغولة جدًّا حتى عن الاهتمام بمن حولي) قالت ذلك ثم عادت إلى قراءة كتابها ولكن سرعان ما وضعت كتابها واتجهت إلى غرفة ابنتها، طرقت الباب ثم دخلت، كانت ابنتها تبكي بحرقة لم تستطع أن تقول لها شيئًا، رددت بصوت حزين (لن تفهمني.. لن تفهمني) خرجت من غرفتها واتجهت إلى المطبخ لتعد طعام العشاء؛ فتحت الثلاجة وأخرجت خمس بيضات، ولكن سرعان ما أعادت البيض إلى الثلاجة، وقررت وضع بعض (المعلبات) في الأطباق، كانت العاملة المنزلية تتحدث وسهام تنظر إليها دون أن تسمع شيئًا.. قالت بصوت عالٍ: “ميري.. خذي الصحون وضعيها على الطاولة في الصالة، ولا تنسي إخراج الخبز من الثلاجة، سخنيه في (الميكروويف)، هزت العامله رأسها، عادت سهام إلى كرسيها وإلى كتابها؛ هو الوحيد الذي يفهمها وتفهمه، هذا ما شعرت به وقتها. وقفت أمامها العاملة المنزلية وهي تقول:

– مدام اش قلت في كلام أنا؟

– أي كلام!!

– مدام أنا أبغى أرسل فلوس لازم أرسل ولد أنا مرة تعبان

– إن شاء الله يوم السبت

انصرفت من امامها وهي مسرورة، لم تعلم وقتها ماذا أصابها، تساءلت (هل أصبحنا غرباء حتى عن أبنائنا) قامت من مكانها واتجهت إلى ابنها الأكبر لكي يتناول طعام العشاء معها، كان يلعب مع أصدقائه عن بعد، يصرخ ويتحدث معهم بأعلى صوته، نادته بصوت عالٍ وهو غارق في اللعب ولكنه لم يجب، وقفت طويلاً تنتظر أن يعيرها اهتمامًا، ولكن دون جدوى، تركته وعادت إلى ابنتها فوجدتها تكتب في هاتفها المحمول: مع من تتحدثين؟

– مع صديقتي

– ماذا كتبتِ لها؟

– لا يهم ماذا كتبت!

حاولتْ أن تبين لها أنها كانت مشغولة، والآن هي مستعدة لسماعها، لم تبالِ بما قالت والدتها واستمرت بالكتابة في جوالها؛ صرخت أمها في وجهها:

– اتركِي ما أنت فيه، لقد وضعنا طعام العشاء

– لست جائعة

– ولكني جائعة وصعب آكل وحدي

– لا.. لا أريد الطعام الآن

نظرت إلى ابنتها بغضب ثم انصرفت من أمامها، شعرت بالحزن والغربة في منزلها وبين أبنائها، لا أحد يفهمها، الجميع يعيش في عالمه الخاص. سمعت صوت أذان العشاء، نظرت إلى الساعة فوجدتها الثامنة والنصف، دخلت دورة المياه للوضوء، كان صوت الأذان يملأ كل المساحات من حولها؛ يشعرها بالراحة والسلام؛ خرجت وأخذت ترتدي لباس الصلاة وتفرش سجادتها للصلاة، كان الليل يشتد ظلامًا رغم أنوار المنازل التي تضيء الحي، وقفت سهام أمام النافذة بعد انتهائها من الصلاة وهي تتأمل الشارع وتُسَبِّح بصوت عالٍ لعلها تصنع أملًا في قلبها الحزين.

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى