إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

الحنين

أمسكت بالكيس بقوة ثم انصرفت من المتجر سريعًا، كانت سعيدة وهي تفكر بما اشترته، حتمًا والدتها الآن بانتظارها، تقف أمام النافذة تحدق بالمارة لعل ابنتها تحضر سريعًا، اقتربت من منزلها، طرقت الباب عدة مرات ولكن لم يفتح أحد؛ أحسّت بالخوف، وعادة تطرق الباب دون جدوى، وضعت الكيس على الأرض واتصلت برقم هاتف أمها المتنقل ولكن لا مجيب؛ طرقت الباب مرة أخرى وهي تنادي بصوت عالٍ:

– أمي.. أمي افتحي الباب.. أمي افتحي الباب.

سمعت صوتًا بالداخل، ابتسمت بفرح واخذت الكيس، فُتح الباب، دخلت وهي تقول:

– امي لماذا تأخرتِ بفتح الباب، لقد خفت كثيرًا عليكِ.

لم تشاهد أحدًا أمامها.. سمعت صوت الباب يغلق، التفتت وإذا به باب المنزل يُغلق بقوة؛ أحسَّت بالخوف، لم تدرِ ماذا عليها فعله، سمعت صوت أمها:

– أحلام أنا جائعة.. أين الطعام؟

– حسنًا حسنًا يا امي.. لقد أحضرته

اتجهت إلى المطبخ وهي تلتفت حولها بخوف ولكنها لم تشاهد أحدًا، وضعت الكيس على الطاولة بحذر وهي تتأمل المطبخ جيدًا، فتحت الثلاجة ولكنها كانت فارغة تمامًا، لم تصدق أحلام ما تشاهده فأخذت تتحسس الثلاجة بيديها حتى تتأكد أنها فارغة.. سمعت صوت أمها تنادي، التفتت ولكنها لم ترَ أحدًا، أغلقت الثلاجة وأخذت الكيس واتجهت به إلى طاولة الطعام، فتحت الكيس وأخرجت الخبز والجبن والعسل والحليب، ذهبت إلى المطبخ، ثم عادت وهي تحمل الأطباق الصغيرة، بدأت بوضع الأطعمة في الأطباق، سمعت صوتًا؛ نظرت حولها بحذر ولكنها لم ترَ أحدًا مرة أخرى، تحدثت بصوت عالٍ:

– أمي.. تعالي لتناول العشاء.. تعالي

تذكرت أن والدتها تحب وضع زيت الزيتون على الجبن، قامت بسرعة وأحضرت من المطبخ زيت الزيتون ووضعته على الجبن وهي تبتسم بفرح.. أمي لقد وضعت الزيت على الجبن كما تحبين، أين أنتِ؟ لماذا لا تأكلين معي؟

رن جهاز هاتفها النقال، أخرجته من حقيبتها، نظرت إلى الرقم ردت، إنه رقم أختي المتزوجة يا أمي.

– نعم

— كيف حالكِ؟

– الحمد لله.. وأنتِ؟

— الحمد لله.. أحلام أين أنتِ .. لقد ذهبت إلى منزلكِ ولم أجدكِ؟

– أي منزل؟ أنا هنا في منزلنا جميعًا!

— منزل أمي؟!

– منزلنا.. منزلنا يا أختي

— حسنا سوف أحضر الآن

أغلقت الهاتف وأخذت تنظر حولها بذهول.. قامت من الكرسي وهي تنادي والدتها ولكنها لم تجب، أحسَّت وقتها بالحزن وأخذت تبكي بحرقة، شعرت بأن أحدًا يمسح على شعرها بحنوّ، أغمضت عيناها وهي تردد: “أحبكِ يا أمي.. أنتِ كل حياتي، لا تتركيني أبدًا”.

سمعت صوتًا بداخلها يردد (لن أترككِ أنا معكِ في كل مكان)، فتحت عيناها وإذا بأمها تقف أمامها ولكن الضباب يلتف حولها، ابتسمت وهي تقول:

– أمي أمي

— نعم.. أين كوب الحليب؟

– حسنًا سوف أحضر لكِ الكوب الآن

أحضرت الكوب بسرعة، كانت تعرف مكان الأواني، فهي من كانت ترتب المطبخ بكل ما فيه، كانت أحلام تحب عمل ذلك، كثيرًا ما أطلقت صوتها بالغناء وهي تمسح أواني المطبخ ثم تضعها في مكانها.. صبت الحليب ووضعته أمام والدتها وقربت الأطباق منها.

– تفضلي يا أمي

قالتها وهي تبتسم، كما كانت سعيدة وهي تتأمل المنزل، لم يتغير، كل شيء في مكانه رغم رحيل ساكنيه، توقفت عن التفكير قليلًا وهي تردد (ولكن أمي ماتت منذ زمن) حدَّقت بوالدتها بفزع وهي تتساءل: (من هذي؟ أليست أمي؟)

سمعت طرق الباب.. نظرت إلى والدتها وهي تردد بخوف وفزع

– أمي لا تظهري أمامهم.. اذهبي إلى غرفتكِ؛ لا أريدهم أن يعرفوا أنكِ على قيد الحياة!

صرخت بغضب:

– لن أفتح الباب.. ماذا يريدون مني؟

سمعت صوت الباب يفتح.. التفتت وهي تصرخ:

– أمي.. لماذا تفتحين لهم.. لماذا؟

— أحلام أين أنتِ؟ قالتها سهام وبخطوات مترددة اتجهت نحو الصالة، وأخذت تتحسس مقبس الضوء حتى تشعل الأنوار، ضغطت بقوة على المقبس فأضاء المكان.

— أحلام.. أنتِ هنا؟

صرخت أحلام:

– لماذا أشعلتِ الأنوار.. لا أحب النور؛ يؤلمني في عيني.

التفتت نحو أختها بغضب (ثم لماذا أتيتِ؟ ماذا تريدين؟)

– أختى.. أنا أريدكِ أن تعودي إلى منزلك، ماذا تفعلين هنا؟

لم تجب أحلام وانصرفت إلى غرفة الضيوف حيث جلست على أقرب مقعد وجدته، سمعت صوت والدتها

— لماذا تجلسين هنا؟ ألم أقل لكم هذا المكان للضيوف فقط؟

ابتسمت أحلام

– حاضر .. حاضر يا أمي لن أجلس هنا

دخلت سهام وأضاءت الأنوار وهي تسأل:

— هل تكلمين نفسكِ؟

– لا.. أتكلم مع أمي

التفتت سهام حولها بخوف وهي تردد (أمي ماتت منذ زمن ولا أحد غيرنا)

– لا.. أمي لم تمت إنها هنا.

اقتربت سهام من أختها وأمسكت بيدها محاولة إخراجها من الغرفة

— هيا نذهب من هنا.. أولادكِ بنتظارك

صرخت:

– أي أولاد أنا لم أتزوج؟

— حسنًا حسنًا.. كما تريدين، ولكن دعينا نخرج من هنا

– لا لن أترك أمي، إنها بحاجة إليّ

أخرجت سهام أحلام من الغرفة واتجهت بها إلى باب الشقة وهي تحاول أن توقظها من أوهامها

— أحلام.. أمي ماتت، وأنتِ تزوجتِ منذ أعوام ولديك أطفال، هم بحاجة إليكِ.

لم تتكلم أحلام وبقيت صامتة تتأمل المنزل بحزن، أحست بتيار كهربائي يتسلل إلى جسدها النحيل، لم تقاوم، ابتسمت ثم أغمضت عيناها وهي تتخيل والدتها تلوح لها من بعيد مودعة.

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى