إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

السيناريو الإلهي.. قصة قصيرة للكاتب والسيناريست/ خالد السيد علي

المكان: مقابر عم عواد العتيقة

الزمان: كل الأزمنة

الحدث: شجار بين النزلاء، أقصد الموتى

الأبطال: عم عواد كبير الحراس، والنزيل 2013 شهيد الوطن، والنزيل 2012 يتوهم أنه شهيد.

كعادة عواد يجتمع بالنزلاء كل فترة ويتحاور معهم في أمور شتى، ولكن الشجار الذي حدث بين النزيلين 2012، 2013 جعله في حالة من الوجوم والتفكير العميق.

سرد النزيل 2013 في مجلس عواد بعضا من أحداثه في الحياة قائلا:
– لا أُخفي عليكم سرًّا أيها النزلاء الأعزاء.. فقد مات بداخلي الإحساس بالخوف ولم يعد ينبض بداخلي كلما شعرت بالخطر، ولم يعد يشدني للوراء كلما واجهت الصعاب، بل لم يجد بداخلي مقرًّا يأكل ويشرب فيه، لقد مات ميتة أبدية منذ أن نال جسدي تعذيبا من جماعة الإخوان في ليلة سوداء بقصر الاتحادية، نعم صدقوني مات ميتة أبدية.

بوابل من زجاجات “المولوتوف” تُقذف تجاه قسم الشرطة بسواعد راكبي الدراجات البخارية وهم مسرعين كأنهم يقذفون القنابل تمهيدًا لشيؤ أكثر جرمًا، اشتعلت النيران هنا وهناك وكأنها تشتعل في قلوبنا.

رأيته يحاول التخلص من النيران التي راحت تلتهم ملابسه وتتجاوزها لتخترق الجسد.. سحبت بطانية من البطاطين التي نخزنها في مداخل المنازل لمثل هذه الظروف الحرجة، وضعتها عليه في عجالة، وهدأت النيرات بعد أن أكلت الحروق جزءًا من ساقه.. حملته أنا وأحد الضباط إلى عربة الإسعاف والدمعات المحبوسة في مقلتيّ تتخلص من قيودها وتنهمر فلم أتمكن من منعها.

لقد كان المصاب أيها النزلاء الأعزاء، صبي عزيز على قلبي، فهو جارنا، يقطن بالمنزل المجاور لنا، وأمي وأمه يعرفان بعضهما البعض منذ زمن بعيد، وكثيرا ما جمعتهما المناسبات القومية والدينية والاجتماعية؛ فأذكر أن أمي ذهبت للكنيسة يوما ما للمشاركة الوجدانية في حفل قداس أخت ذلك الصبي مثلما حدث مع أمي عندما جاءت أم الصبي تشاركنا أفراح عقد قران أختي في مسجد السيدة زينب.

كانت أمي تروي لي قصة كفاح أم ذلك الصبي التي حرمت نفسها من متع الدنيا بعد رحيل زوجها، وكرست حياتها لتربية الأبناء حتى تخرجت ابنتها في كلية الألسن وعملت مترجمة في شركة كبرى، ثم تزوجت وشقت حياتها، بل رفعت من على كتف أمها حمل السنين وراحت تساهم في رعاية أخيها الصبي فهو ما زال في مراحل التعليم ويحتاج إلى من يقف بجواره حتى يشق طريقه، ورغم ذلك نجد الصبي من حين لآخر يعمل في إصلاح أجهزة الكمبيوتر بمقابل أجر ليس لحاجته المادية ولكن أمه زرعت فيه حب العمل وتقديسه.

أذنهم كانت موصدة عن سماع آذان الفجر ومن ثم إقامة الصلاة.. فالجماعة الإرهابية كانت تصر على إسقاط حصن قسم الشرطة ولا تعبأ بأي شيء آخر. تمكنت أنا ومجموعة من الأهالي الدخول إلى مصلى، زاوية صغيرة في حارة ضيقة، وصلينا، وما إن خرجنا من الحارة فوجئنا بمجموعة من الملتحين وهم يحملون النبابيت والأسلحة البيضاء والسيوف.. يحطمون مكتبة ضخمة شهيرة ويطيحون بعنف وغل بلا رحمة كل من يعترض أو يحاول منعهم.. لم نستطع أن نواجههم وحدنا ونحن عزل من أي سلاح، ولكنني أبيت الوضع وطلبت من هاتفي أحد ضباط القسم وأبلغته بالحدث الذي يقع في الشارع الخلفي، كنت قد تبادلت أنا والضابط أرقام الهواتف في لحظات الهدنة غير المتفق عليها بين الأهالي وبين الغزاة أقصد البلطجية والإخوان.

صاح شيخ وقور -كان إمامنا في صلاة الفجر- بعزم ما فيه وهو يقول في وجه المخربين: “اتقوا الله.. اتقوا الله”
وكأنه سبهم وقذفهم فأنقض علينا رجلين من المخربين.. كأنهما من فصيلة الثيران بل الثيران أقل همجًا، وقامت المعركة وبالطبع كان علينا الدفاع عن الشيخ وعن أنفسنا إلا أن واضع السيناريو الإلهي أيها النزلاء الأعزاء قال كلمته في تلك الليلة.. فقد غرس السيف في أحشائي، ورأيتني في حالة ذهول لم أصدق الحدث ولم أصدق أنها نهايتي.. مر أمامي شريط سينمائي، فشاشة العرض لم تبتعد عن مرمى عيناي سنتيمترات إنه فيلم روائي قصير جدًّا.. قصير بحساب الزمن لا بحسابي، وكأني مررت مرور الكرام على متن الأرض كي أقول رسالتي أو كلمتي وأدافع عن قضيتي من خلال مشهد واحد في السيناريو الإلهي، ثم أجيء إليكم شهيدًا أيها النزلاء.. نعم أنا شهيد، ولذا قررت أيها النزلاء الكرام أنني عازم على المجيء بوثيقة رسمية من الأحياء تقول أنني شهيد هذا الوطن، وابن رجل عظيم فقَدَ بصره في حرب أكتوبر وعلمني معنى الرجولة والوطنية، مثلما تعلم هو من أبيه، فنحن أيها النزلاء نعشق تراب هذا البلد.

بعجرفة واستعلاء رد النزيل 2012 وهو لم يعتَد المشاركة بجدية في مجالس عم عواد: “أتحداك أن تأتي بوثيقة الشهداء يا ابن الرجل العظيم”.

قال بهدوء أعصاب وثقة: “أنا على يقين من عدالة السماء.. أنا لا أتخيل أيها النزيل 2013 أنك ستستطيع فعل أي شئ لسبب بسيط”.

رد وهو على ثقة بربه أنه سينصره: “ألا وهو أيها النزيل؟”
ظل يقهقه بحركات استفزازية، ولكنها لم تستفز أعصابه فقد كبح غضبه، وترك قهقهته حتى النفاد، بينما عواد يراقب الأمر بعمق وشرود، إلى أن قال النزيل 2012: “ألا وهو أنك في تعداد الأموات؛ فكيف ستتحدث وتتواصل مع الأحياء (بتهكم) ترى ليلاً أم نهارا سيحدث ذلك؟”.

عم الوجوم برهة، ثم راح النزيل 2012 يرمق عواد، وبابتسامة ساخرة وهو يربت على كتفه بحركة استفزازية، كأنه يقصد أنك ستعجز يا عواد عن حل هذه المشكلة:
“وليقل لنا عم عواد كبير حراس المقابر إن استطاع أن يرد.. أين الثغرة التي ينفد منها النزيل 2013 لعالم الأحياء (وهو يتجول بين نزلاء المقابر) نحن أموات أيها النزلاء.. أموات، ولا عودة للحياة تارة أخرى؛ فالقاتل قاتل، والمقتول مقتول، والمذنب مذنب، والتقي تقي(وهو يبحلق في النزيل 2013 بنظرة حادة) والشهيد شهيد.. انتهت أمور الحياة أيها النزلاء انتهت!.

فرغ من كلامه، واستدار وتقدم خطوة للأمام ثم وقف والتفت إليهم برأسه، وهو يصوب عينيه نحو عواد الذي بدا عليه الاستسلام للأمر الواقع ثم أردف: “أنا قائد هذه المقبرة و …”
– لاااااااا…
صيحة عواد أرجفت النزيل 2012 وجعلته يصمت، بل هزت الصيحة أيضًا أوصال كل النزلاء وهم ينتبهون إلى كلمة عواد وهو يصفع الأرض بالعصا ويقول بكل نخوة وقوة وعينيه كعين الصقر:
“عواد عنده الكتير، عواد يعرف إمتى يسكت وإمتى يتكلم وكمان يقدر يحمي كل النزلاء المسالمين من أمثال النزيل 2012 ، عواد إذا مات، له أولاد موجودين يحموا النزلاء والأحياء”

تمت ولله الحمد.

قصة قصيرة للكاتب والسيناريست/ خالد السيد علي

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى