إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

التعيين

هل علينا أن نتظاهر بالقوة وقلوبنا تُسحَقُ من الألم؟ هل أبتسم والدموع الساخنة تحرقني؟

دخلت منزل أختي، كانت صالة الاستقبال ممتلئة بالنساء اللواتي أعرف بعضهن وأنكر البعض الآخر، سلمت على الجميع ثم جلست على أقرب كرسي وجدته أمامي، كنت أرتدي الفستان الأحمر، الوحيد الذي في خزانة ملابسي، ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي اشتريته به، يومها بكيت كثيرًا أمام زوجي وطلبت منه أن يعطيني بطاقته لأشتري فستانًا حتى أستطيع حضور حفل زفاف أخيه دون خجل من ملابسي، كان غاضبًا جدًّا، وألقى بالبطاقة على الأرض وانصرف من أمامي بعد أن حذرني من تجاوز الخمسمائة ريال؛ كنت سعيدة جدًّا وأنا ألتقطها من الأرض، وضعتها في حقيبتي وذهبت للسوق واشتريت هذا الفستان. عندما عدت، أعطيته البطاقة، قال لي أنه أخطأ ولن يكررها؛ عندها غضبت جدًّا، وقلت له:

أول مره آخذ البطاقة مع إني زوجتك، وأختك دائمًا تأخذ البطاقة ولم تتضايق يومًا، لماذا؟

عندها انهال عليّ ضربًا بعقاله الأسود، كان أبنائي الصغار يبكون ويصرخون بصوتٍ عالٍ، مما جعل جدتهم التي تسكن معنا تتدخل وتوقف ابنها عن ضربي وتطلب منه أن يأخذني لبيت أهلي، يومها قالت لي أمي أن عليّ أن أصبر من أجل أطفالي وأن حياتي سوف تتغير إلى الأفضل عند حصولي على الوظيفة.

سنين طويلة وأنا أنتظر، كنت أتأمل شهادتي وحلمي يكبر أمام عيني، سوف أشتري كل ما أريد.. كل شيء، وأطلب الطلاق وآخذ أبنائي، لن أحتاج إليه أبدًا.

توقفت عن التفكير ونظرت إلى المرأة التي بجانبي، كانت زوجة أخي الأصغر، ابتسمت إليّ، بادلتها الابتسامة:

– قبل شوي طلعت الأسماء

— أسماء إيش؟

– المقبولات في الوظائف.. بس يا خسارة ما لقيت اسمك.

— كيف؟ فين طلعت؟ متاكدة إن اسمي مهو معهن؟

ردت وهي تبتسم ساخرة: أكيد!.

سقطت كلماتها عليّ كالقنابل المدمرة.. لم أستطع أن أقول لها شيئًا، كنت أنتظر الوظيفة؛ إنها الأمل الذي أضاء في طريق حياتي المظلم، ولكنه انطفأ كعادته، سقطت دمعة من عيني، مسحتها بسرعة، حاولت أن أبتسم فضاعت ابتسامتي في دنيايا المعتمة.

كان الجميع حولي يضحك بفرح وأنا أتأملهن بعيون دامعة، حاولت أن أتظاهر بالفرح مثلهن، ولكني لم أستطع، تذكرت ابني الصغير وهو يطلب مني خمسة ريالات، يومها بحثت في حقيبتي ولكني لم أجد، كان صدري يشتعل نارًا تحرقني بلا رحمة، أطلقت تنهيدة قوية ملؤها الألم والحسرة، نظرتْ إلىّ زوجة أخي، فتركتُ المكان بسرعة وجلستُ بالمطبخ بين العاملات أبكي بصمت، كانت دموعي تنهمر دون توقف، حاولت منعها ولكني لم أقدر، تمزق المنديل الذي كنت أمسح به دموعي، فتحت حقيبتي لأبحث عن آخر دون جدوى، سمعت همس إحدى العاملات: “مادام يبكي شوف” كانت تشير إليّ وأنا أمسح دموعي بيدي، لم أقوى على البقاء، تجمع حولي العاملات وهن يسألن عن سبب بكائي، تركتهن ودخلت الحمام؛ غسلت وجهي وما تبقى من أصباغ، فتحت حقيبتي وأخرجت قلم تلوين الشفاه ومسحت به خدي الأيمن ثم الأيسر، وزعته جيدًا بيدي، تأملت وجهي في المرآة للتأكد من زوال آثار البكاء، عدت إلى صالة الاستقبال وجلست على أول كرسي وجدته خاليًا، كان يبدو عليهن السرور والسعادة؛ لا فائدة من البقاء معهن، هكذا شعرت.

وقفت.. لم يلتفت أحد إليّ؛ كن منهمكات بالرقص وترديد كلمات الأغاني الصاخبه التي تملأ كل مساحات المنزل، أخذت عباءتي وبخطوات بطيئة كنت أتقدم نحو الباب، كم تمنيت أن تسألني إحدى أخواتي عن سبب ذهابي.. فتحت الباب وأنا أنظر إليهن، انتظرت طويلاً دون جدوى، خرجت وأنا أغلق الباب خلفي بقوة لعل أحدًا يسأل عني وعن سبب مغادرتي الحفل.

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

‫40 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى