إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

نافذة عبر الزمن (7)

بدأ بطلنا أول خطوات العمل كموظف سكرتارية. منذ اليوم الأول للقائه بطبيبة الأسنان بدا جادًّا ومهتمًّا بكل تفاصيل العمل شغوفًا بأن يفهم كل أسراره ليظهر إبداعه، وبالفعل مرت الأيام وأثبت جدارته وتميزه في عمله الجديد وكسب احترام وتقدير من حوله من إدارة وزملاء، الجميع يثني على حسن أخلاقه وتميزه المهني والأخلاقي، ومرت الأيام والليالي وهو يكرس حياته بين العمل ورعاية تلك الطفلة. وفي أحد الأيام وهو عائد كالعادة لغرفة الصغيرة أفزعه تجمع الأطباء والممرضات وتجمهرهم حول سريرها، كان يسمع جلبة وضوضاء وأصوات تتعالى، لكن لا يدرك منها حرفًا واحدًا، فقد أخذ منه الخوف كل مأخذ وشل الرعب أطرافه فتباطأت خطواته رغم أنه كان يحث الخطى ليكون بجوارها، اقترب من باب غرفتها وهو ينحي بيديه حشود البشر المكتظه حول غرفتها وعجز لسانه عن نطق حرف واحد لكنه ذُهِل لما رأى صغيرته مستيقظة وتتحدث للطبيب؛ صرخ بقوة وهو يقول: “يا إلهي.. إنها بخير، حمدًا لله على سلامتك يا حبيبتي” كان يصرخ فرحًا، حملها بين يديه وأخذ يدور بها فرحًا ويضمها إلى صدره وسعادته لا يسعها الكون.

كانت الطفله تضحك مسرورة جدًّا بوجود من تظنه شقيقها ثم ضمته، وقالت لماذا لا أراك يا أخي فأنا لا أسمع سوى صوتك، هل أنا أحلم؟ صعق وصق جميع المتواجدين في غرفة الطفلة، وأكملت حديثها: “هل أنا أحلم يا أخي؟”، ذُهل الجميع من كلماتها وأشار إليه الطبيب ليعيدها لسريرها ليتمكن من إستكمال فحصها

والاطمئنان على صحتها، أرخى يديه وانحنى نحو السرير ليضع الصغيرة، لكن الطفلة تشبثت به وبقوة (أخي لا تتركني)، رد بصوت حنون: “لا يا صغيرتي أنا هنا ولن أتركك أبدًا” ثم  اقترب الطبيب المعالج من الطفلة وحمل المصباح، وقال لها انظري إلى مصدر الضوء، لكن رد الطفلة كان صادما للجميع؛ قالت (لا أرى  ضوءًا، كل ما أراه غرفة مظلمة) فعاد الطبيب ليقول لا يصغيرتنا الحلوة هناك ضوء جميل وسترينه قريبا لكن نحن الآن نحجبه عنك بهذا الضماد الجميل لآن عيناك الجميلة ما زالت مرهقة، هل فهمتِ ياصغيرتي؟.

كان بطلنا وجميع من في الغرفة مصدومين من هذا الخبر الحزين، لكن بطلنا كان أشدا حزنا وألما، كان يُحدِّث نفسه:

هل ستعيش هذه الصغيرة عمياء؟

هل ستبقى باقي أيامها كفيفة؟

استيقظ على صخرة الواقع والطبيب يقول له: “اتبعني للخارج”، سار خلف الطبيب وقدماه لا تكادان تحملانه، وقفا خارج غرفة الصغيرة وقال له الطبيب احمد الله على سلامتها؛ فقد توقعنا أن تبقى بلا حراك زمنا طويلا فرد ولكنها كفيفة الآن فأي حياة ستعيش وأي مستقبل ينتظرها وأجهش بالبكاء أقترب منه الطبيب وربت على كتفه وقال يابني الطب يتطور ولا نعلم المستقبل، فعلمه بيد الخالق، وشقيقتك كنا نظن أنها ستعيش بذاكرة مفقودة للأبد، ولكن الله لطف بها فهي الآن تعرف من أنت وسوف تستعيد كل ذكرياتها بصحبتك، وهذا سيسعدها في الوقت الراهن وقد يساعد في تحسن حالتها الصحية؛ فبصرها أراه سليمًا، لكن قد يكون السبب نفسيًّا خلف عدم إبصارها، فقد شهدت يومًا عصيبًا وهي ترى جثث المسافرين حولها بعد الحادث، كما أنها فقدتك حينها ولم تراك بينهم، فقد يكون هذا كله سبب لها صدمة نفسية أبقتها هكذا. ولا تنسَ إصابتها في الرأس وقد تأثر مركز البصر مدة طويلة، لذلك يا عزيزي حاول أن تستعيد معها ذكرياتكم الجميلة ليعود لها لستقرارها النفسي، فهذا هو الحل الآن، أما الطب فدوره الآن إعطاء العقاقير الطبية والمتابعة فقط لتستقر حالتها.

شكر الطبيب وعاد لجوار صغيرته وحاله يرثى لها، كان يحدث نفسه: أي ذكريات تجمعنا ياصغيرتي! فأنا لا أعرف عنك سوى أنك ذات سبع سنوات وتحبين الحلوى ولكن ما لونها وما مذاقها وأي نوع تفضلين هو في علم المجهول، بدأ ينتحب من شدة البكاء، فوجد يدا صغيرة تُمَد إلى رأسه الملقى بين كفيه وسمع صوتًا صغيرًا رقيقًا يقول: “لماذا يأخي تبكي أنا بخير ألم يخبرك الطبيب بأنه يحجب عيني بهذا الرباط” وحملت يداها الصغيرة لتضعها على عينها وهي تقول أنظر يا أخي إليه، لكنها صرخت عندما لامست يداها عينيها، وقالت: أين الرباط؟ فعيني ليس عليها شيئا، فتح عيناه على اتساعها من هول الموقف وسارع ليضع بعض الشاش المبلل بالماء حول عينيها وهو يقول أنا أزلتها بعد أن وضع لك الطبيب بعض القطرات التي ستجعل عيناك مغلقة دون الحاجة للضماد فهو ثقيل ومزعج، لذلك انتزعه الطبيب وأبدله بقطرات إغلاق العينين، هل عرفتِ الآن، قالت ولماذا تعيده أنت، الآن ارتجفت يداه من كلامها وتعلثم قليلا وقال أنا لا أعيده بل أضع لك بعض كمادات الماء ألا تشعرين برطوبة الماء، قالت نعم أشعر شكرا لك يا أخي.

حمدًا لله الذي ألهمه ليتدارك هذا الموقف، ولكنه قال في نفسه: “ماذا سيحدث من مواقف أخرى بعدها،  لا بد أن أكون مستعدًّا لكل حركة وسكنة تصدر عني أو عنها، اليوم مر بسلام، لكن ماذا سيحدث بعد ذلك، لا بد ان أكون فطنًا فالطفلة ذكية جدًّا”.

بقلم/ موضي المطيري – القيصومة

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الأقدار مكتوبه ولن نفلت من أمر كتبه الله مهما حرصنا
    ومن أجل ذلك لنرضى بماقدر لنا
    فمن رضى فله الرضى ومن سخط فله السخط

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى