زوايا وأقلاممشاركات وكتابات

ضابط بدرجة شيخ عرب.. ذكرى استشهاد نائب مأمور قسم كرداسة العميد عامر عبد المقصود

مرت ٩ أعوام على ذكرى استشهاد أبطال الشرطة، الذين استشهدوا في أحداث (قسم كرداسة)، واليوم قررنا أن نحيي ذكرى نائب مأمور القسم العميد عامر عبد المقصود، الذي ضرب أروع الأمثلة هو والشهداء جميعًا، الذين قدموا أرواحهم على طبق من ذهب، في سبيل أن يحيا الوطن، ولأن السيرة الطيبة هي دائما من تحيا حتى بعد وفاة صاحبها، لذلك قررنا أن نذهب إلى شقيقته السيدة زكية عبد المقصود وشقيقه سيادة العميد أكرم، لكي نعرف أكثر عن حياة صاحب الابتسامة، التي كانت لا تفارق وجهه حتى وهو تحت ضغط عمله.

وفي البداية حدثنا العميد أكرم عن حياته قبل أن يلتحق بكلية الشرطة قائلا: (عامر نبغ علميًّا ودراسيًّا، وتفوق رياضيًّا؛ وكان لتفوقه الرياضي السبب في أن يذهب لاختبارات نادي الترسانة لتعلق وانتماء أحد أعمامنا إلى هذا النادي، استمر نبوغه العلمي في مراحل التعليم المختلفة، وتابع مشوار تفوقه الرياضي في ناديه، مما أهله للالتحاق بمنتخب المحافظة ثم منتخب الناشئين، وبعد أن انتهى من الثانوية العامة بتفوق، تقدم إلى الكلية الحربية وكلية الشرطة، وبالطبع كانت هناك عيون تراقب تفوقه الرياضي، لأنه كان شائعًا في هذا الوقت أن أكاديمية الشرطة كانت تبحث عن لاعيبن؛ لتأخذهم معها في اتحاد الشرطة، فكانوا يختارون العناصر المميزة، وكان المسئول عن اتحاد الشرطة آنذاك اللواء سامح مباشر، وهو الذي اختار عامر، وعندها التحق بالكلية، لكي يكون لاعبًا ضمن منتخب الشرطة، ليمثل مصر بدورة الصداقة بالعراق وهو لا يزال طالبًا بالكلية.

وفي يوم ٢١ من يوليو من عام ١٩٨٦ تخرج برتبة ملازم أول، وبدأ أولى خطواته العملية، وتم ترشيحه للعمل بوحدات الأمن المركزي؛ لكونه رياضيًّا متفوقًا.

وتمضي الأيام بالبطل بين مهام عمله في تأمين مباريات كرة القدم، كما أنه شارك في تأمين الجبهة الداخلية في أثناء حرب تحرير الكويت، إلى أن تم ترشيحه للعمل في إحدى إدارات وزارة الداخلية شديدة الحساسية وهي إدارة الحراسات الخاصة، وهي الجهة المنوط بها تأمين وحراسة الوزراء وضيوف البلاد الصديقة، وكان حرس سلطان طائفة البهرة الهندية يطلبه بالاسم، وأيضا خدم مع الشيخ الشعراوي فترة.)

وهنا تحدثت السيدة زكية قائلة: “في أثناء خدمته كان زواجي قد اقترب، وقد ذهب إلى منزل الشيخ، ويود أن يطلب منه أن يكتب كتابي، أثناء جلوسه معه عينه ذهبت إلى كتاب القرآن الكريم، فالشيخ وهو جالس قال له: خذه يا عامر. رد عليه عامر قائلاً: ما هو يا سيدنا؟ رد عليه: ما ذهبت إليه عينك، خذه أقول لك خذه مني يا عامر. قال لما أخذته، لم أستطع أن أقول له إني أتيت إليه لكي أطلب منه أن يكتب الكتاب، خجلت منه، فأخذت المصحف، واكتفيت بذلك”.

جانب من شخصيته الذي تحدثت عنه شقيقته:

“كان دائم الابتسام والضحك، ويحب اللعب مع الأطفال، وكان شخصية اجتماعية للغاية، حتى أنه عندما كان يأتي إلينا، كنا نعلم ونحن في المنزل أنه وصل، ساعات كان بيقول أنا مش هطلع، وكان يجلس في الشارع تحت المنزل، ويلتف حوله أهل المنطقة في الدقي، ومن يجد لديه مشكلة، كان يعمل على حلها له على الفور”.

وعن خدمته أضاف شقيقه العميد أكرم أنه مرت الأيام، وذهب إلى الخدمة في الصعيد، وعمل في الوادي الجديد ثم أسيوط ثم محافظة الفيوم، التي كانت تعج بالجماعات المتطرفة، وحدثت هناك أول محاولة لتجنيده معهم في مركز سنورس عام 2005، 2006. ومن المعروف عن الجماعات المتطرفة أنها تحاول أن تستغل أي شخص، وبالأخص إذا كان حافظًا للقرآن ومواظبًا على الصلاة، وبالطبع تجنيده معهم سيكون مكسبًا، بالأخص أنه شخصية مؤثرة، وكانوا يعتقدون أنه من الممكن أن يساعدهم، خصوصا أنه ملتزم دينيا، وكانوا يريدون منه أن ينقل إليهم أسرار عمله، لكنه رفض، وتحولت محاولة التجنيد إلى محاولة لتصفيته واغتياله، وبعد أن جاءت ثورة يناير، واستأسد في الدفاع عن مكان عمله مركز سنورس حتى يوم جمعة الغضب، التي تحولت فيها مصر إلى الظلام، وكان يومًا عصيبًا في حياته، حيث تربص به المتربصون، وأردوا به الشر، لكن عناية الله وحب الناس الذين أخبروه بمحاولة اغتياله، مما نجاه من كيد الكائدين، وبعد ذلك عُين نائبًا لمأمور مركز كرداسة، وهناك كان يميل إلى فض المنازعات، التي تنشب بين أهالي القرية بالطرق الودية، حتى أطلقوا عليه شيخ العرب، ساعد من ساعد، وعاون من عاون، لكن يد الإرهاب اغتالته يوم 14/8/2013، وهو صائم يدافع عن عمله بكل شجاعة واستبسال هو و (11) من ضباط وأفراد شرطة.

والجدير بالذكر أنه في أثناء حوارنا، قالت شقيقته وعينها تملؤها الدموع أنه في اليوم السابق للوفاة، وبالتحديد يوم 13/8/2013 كنت جالسة أنا ووالدتي، عندما قالت لي اتصلي بعامر، اجعليه يأتي، اتصلت به، و رد قائلاً: أنا عندي شغل. أمي قالت لي اتصلي به مجددًا، اتصلت به مرة ثانية وثالثة، وفي سادس مرة صرخت قائلة اتصلي بعامر حالاً، كلمته وقلت له: عامر تعالى كلم ماما. وأعطيتها الهاتف لكي يتحدث إليها، بينما هي صرخت قائلة: إذا لم تأت، فسوف أموت. رد عليها قائلاً: لا تموتي إلى أن آتي، أنا قادم.. وبالفعل جاء، وجلس يمزح معنا ويضحك، وفي أثناء الكلام وجدناه يقول لأمنا: يا أمي أنت راضية عني؟ قالت له: آه يا حبيبي راضية عنك. وقف وأخذ يدها قبّلها، وقال لها: طيب ادعِ لي وأطلعك عمرة. قالت له: والله بدعيلك، أقول لك أنا كل شعرة في جسدي بتدعي وتقول يا عامر يا عامر.

وفي هذا اليوم جلس معنا إلى أن دقت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وعندما رغب في الذهاب، أمسكت به ليجلس مرة أخرى، قال لي حينها: (خلاص وقتكم خلص معايا).

كانت هذه بعض الزهور التي اقتطفناها من البستان العطر بستان الشهيد عامر عبد المقصود، الذي تُوفي وما زال اسمه يلمع كالنجوم في السماء، رحم الله شهداءنا الأبرار، الذين ضحوا بأرواحهم، وسطروا بدمائهم التاريخ بحروف من ذهب.

بقلم/ علياء الحسين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى