إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

البائع

يقف على الرصيف وهو ممسك بيده ستة أكياس صغيرة جدًّا، بها حبوب القمح، ينتظر أحد المارة يعطيه خمسة ريالات ويطلب منه وضع كيس القمح على الرصيف ليأكل منه الحمام. كان هذا العمل فكرة صديقه إدريس الذي أخبره بأن أهل هذه البلاد طيبون ويحبون عمل الخير للجميع حتى للحيوانات.

الجو شديد الحرارة، والشمس ترسل لهيبها في كل الأماكن من حوله، الهواء الحار يلفح وجهه الأسمر، عرقه يتساقط بشدة والسيارات تمر بسرعة من أمامه، وهو ينتظر.

ترك وطنه من ستة أشهر ليبحث عن حياة أفضل، سار مسافات طويلة عبر الجبال وحلمه بالثراء يتجلى أمامه. كان معه مجموعة من أبناء قريته وكان أحدهم يعرف الطريق جيدًا، فقد جاء منذ سنوات وتم القبض عليه عدة مرات بتهمة التسلل والإقامة غير النظامية ولكنه يعود مجددًا عبر الجبال، فبلادهم تعاني من الفوضى والدمار.

وجد آدم الكثير من أبناء جلدته في هذه البلاد، وكان كل واحد منهم يعمل بعمل مختلف ولكنه لا يُدِرُّ عليهم الأموال، فخمسة ريالات لا تكفي لشراء الطعام؛ وجميعهم لم يتعلموا أي حرفة ولا يملكون شهادات علمية تؤهلهم للعمل، لا يجيدون سوى التسول أو البيع على الأرصفة.

عاصفة من الأفكار اجتاحت آدم وهو ينظر إلى السيارات الفارهة والمباني الشاهقة، أحسَّ بأن حياته لا تعني شيئًا، ماذا لو ألقى بنفسه أمام السيارات، ماذا سيحدث؟ (لا شيء)، قالها بصوتٍ عالٍ، بلغته التي لن يفهمها سكان هذه البلاد، شعر بالحزن وجلس على الرصيف.. كان الرصيف شديد الحرارة وحذاؤه المطاطي لا يقي قدميه من الحرارة؛ أحسَّ بالألم، سقطت دموعه من عينيه، مسحها وقام من مكانه وهو يتأوه بألم، أشار إليه أحد المارة، جرى نحوه:

– بكم الكيس

– خمسه ريالات

مد إليه عشرة ريالات، أخذ المال ووضعه بجيبه نظر إلى الأكياس التي بيده وهو يبتسم بحزن (باقي أربعة) قالها بصوت عالٍ وهو يفتح الكيس الأول والثاني ويلقي الحبوب على الأرض؛ تجمَّع الحَمَام على الرصيف ليلتقط الحبوب، كان يتأمل الحمام وهو يفكر في طعام عشائه الليلة. سمع أحدًا ينادي؛ التفت، فإذا به رجل آخر، اتجه نحوه وهو يبتسم، سأله عن سعر الكيس، رد آدم:

– الكيس بخمسة ريالات

مد إليه بعشرين ريالًا وطلب منه وضعها للحَمَام بعيدًا عن هذا المكان، التقط آدم العشرين ريالاً وأخذ يجري بعيدًا عن الرصيف وحلمه بالثراء يتلاشى أمامه، الشمس تبتعد عن سماء المدينة، وآدم ما زال يركض يبحث عن مكان أفضل لوضع حبوب القمح على أرضه.

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى