إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

أساطين الثقافة وفنونها.. فن الدان

الفنون الشعبية ثقافة اجتماعية وتراث عريق، وعادة يختص بها شعب ما في المعمورة، ولوحات تشكيلية تشمل حكايات وروايات توارثت عبر الأجداد للأبناء.

وعلى مركب السطر سنتعرف على فن شعبي تقليدي لامس السعي في الموضوع عن أغواره، فعشت داخل موسيقاه الشجية، وبعين الحالم اليقظ، رهفت الأذن لسماعه من أناس لهم المعرفة بهذا الفلكلور وانتمائهم لهذه الأرض التي تحمل على أجنحتها هذا الفن.
فن (الدان) أو الفن الجنائزي، كما يقال عنه، حين تذكره ينتابك خوف وقشَعريرة تقشعر منها الأبدان لسماعك الموسيقى المعبرة عن الحزن والمواساة، فيسري خوف يعتري الجسد، لأن الحدث يبعث الصورة الحقيقية الصادقة عن الحياة للعالم الآخر ونهاية مطاف الإنسان لتلك الحفرة التي تنتظره وتحتضنه، فتتراقص الطبول لهذا الرحيل الأبدي ومع تمايل حزين يحكي صورة الرحيل وتوديعه بهذه الرقصة الجنائزية لمثواه الأخير.

هذا الفن ترجع أصوله لمدينة مرباط منذ زمن بعيد واشتهرت به، وهي موطنه الأم، وهي تتميز به فهي الجذور التي ينبع منها. في حين أن هناك فن آخر يشبهه وجنائزي أيضا وهو فن “السيدان” بمدينة صلالة، ولكنه يختلف عنه في الإيقاع والطرق والحركة والموسيقى.

وينقسم هذا الفن الفلكلوري الذي يعبر عن الألم والفقد إلى سوبيل، وصانديه، وأصوات السياري، والنثري، وفيلان، وحامد سالوه. ويوجد بمدينة مرباط حلفان؛ “حلف بني ياس” وحلف “الموالخ” ولكل من هذين الحلفين أعلام يعترفون بها والحان وأغاني متفق عليها فيما يختص بينهم في هذا الفن دون الإخلال بالفن الجماعي.

وكلمات السويبل والصانديه وغيرها التي تتردد في أغاني هذا الفن تبعث في النفس التساؤل هل هي مجرد كلمات تقال؟ أم أن لها قصد ومعنى في أبجديات حروف اللغة؟!

فقد استشفيت من أفواه هذه المنطقة أن “السويبل” هو الرزح أي اللطم والقفز للأعلى وضرب الأرض بالرجل، ويعني مفهومه يا عالم انتبهوا واعتبروا فهذا سبيل كل حي، لا يغرك شئ في الدنيا، فالموت سبيلنا.
وقد تكون كلمة الرزح لها معنى آخر عند البعض، ولكن هنا تأخذ صورة وطابع هذا الفن.

أما “هيه صانديه” فهو تجمع الناس منطلقين الى ان يصلوا لبيت العزاء؛ فـ”هيه” تعتبر كصرخة تنبيه أخرى تأكد ما قبلها بإضافة طلب التضرع من الله أن يكون سندا لهم في مصابهم.

وبدايته كمنبه الساعة لتلك المنطقة بعد إعلام شيخ المنطقة بالوفاة فيقوم “النفاطة”؛ أي من ينفخ البوق ليعلن الوفاة فيتجول بين المنازل، ولا يكتفي بهذا، فأحيانا يرافقه شخص يحمل “طبلا” لمساعدته في التنبيه، وهذا يحدث في حاله إذا كانت الوفاة ليلاً.

ليس هذا ما يشد الانتباه، وإنما وصف النغم والرقص في هذا الفن في حين لا يحتاج المرء هنا إلا إلى البكاء والنحيب. ويبدو أن هذه الاحتفالية عند المرباطين تمثل رمزية قيمة لتراثهم الفلكلوري. ويقام هذا الفن على مجموعات منتظمة تعلم دورها وتقسيمها، والكلمات التي تقال ومكان وجودها أثناء تشييع الجنازة إلى انتهاء مراسم الدفن.

ولا أنسى دور النساء هنا، فإن لهن النصيب من هذا الفن؛ حيث تتقدم امرأة أو أكثر وتسمى “النوّاحة” وتكون أقرب المقربين للميت، تبكي الميت وتنحب عليه بالزفرات والعبرات مصاحب أدائها الراقص حسب الطرق الذي يشل به هذا الفن، وتستريح بين الفينة والفينة، وتعاود النهوض وقد يقوم معها أحد أقاربها أيضاً من الدرجة الأولى ويرقص معها الرقيد “الرقص” بالسيف ونفضه بحركات متناغمة والدوران حول نفسه أمامها والميلان يمنة ويسارا، وهي وهي تتبعه أيضا بنفس الاتجاه حتى تصل المجموعة كاملة إلى بيت العزاء.

ويشارك “الصانديه” أيضا مع الرجال والنساء الشباب والصبية بشكل حلقة دائرية تدور بعكس عقارب الساعة، ثم يعكسون الاتجاه على حركة واحدة متزنة وكل واحد يبدع في أدائه في اللف والدوران بحركات فنية رائعة مع ترديد “ليلاوي هيه هيه ليلاوي، ليلاوي ياربي سانديه” لمدة تستغرق 20 دقيقة إلى نصف الساعة.

تنتهي المراسم بفن “الدان” هيه دان، هيه دان هيه دانه، هيه دان هيه دان هيه دانه، وهم على شكل صفوف متتالية متوشحون السيوف والدروع بموسيقى مؤثرة وموزونة على تغريد حناجرهم التي ترتفع تارة وتنخفض تارة حسب السلم والمقام.

وفي الختام يتحدون بوجود رمسة أي “السهرة” والطرق “اللحن” والختم بفن آخر لإزاحة الحزن وإلهاء أهل المتوفي عن المصاب بهذا الرزح، وينتهي الحزن بحكمه أن ما حدث ما هو إلا قضاء الله وقدره.

هذا الفن يحمل ألحانا معقدة، وآخر من يعلم بها هو الفنان خميس بن جوهر بن نصيب من ولاية مرباط، ولشدة تعقيد هذا الإيقاع، أصبح من بعد وفاته رحمه الله يؤدون “فن الدان” بدون إيقاع.

فنوننا تراث عريق، والخوض فيها يحتاج إلى شرح طويل، شعرت بتعطش لمعرفة ما يختبئ خلف الفنون الفلكلورية وما تحمله عُمان من موروثات شعبية.

أوجه الشكر والتقدير الكبير للأستاذ عبد الرب جوهر، أحد مواطني ولاية مرباط.

وأختم بأجمل مرثيات هذا الفن:

“هيه دان هيه دان هيه دانة ** هيه دان هيه دان هيه دانه
يا رب البشر ** يا خير، يا خير من غفر
يا الله، قابوس ارحمه
شعبك مدمعه * يبكيك أجمعه * قابوس عهدك معظمه
هيه دان ،هيه دان، هيه دانه

ملاحظة:
مرباط: ولاية من ولايات سلطنة عمان، تقع في الجانب الشرقي من محافظة ظفار.

فن الدان: فن فلكلوري شعبي من فنون الولاية.

بقلم/ وداد الإسطنبولي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى