إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

العامل

كان يجلس بجانبي ويتحدث كثيرًا وهو يدخن سيجارته، كنت أتحاشى النظر إليه حتى لا أنهار أمامه، تحدث بكل شيء وأنا أسمع فقط، قلبي يرتجف حزنًا وعقلي لا يقوى على التفكير.. سألته:

– أين ستذهب؟

— أي مكان

ابتسم بحزن ثم أطفأ سيجارته والتفت إليَّ قائلًا:

– أنا لست حزينًا.. ربما أجد مكانًا أفضل من هنا.

-حركت رأسي موافقًا، السيارات تمر بسرعة من أمامي وأنا أقف على الرصيف، نظرت إلى الساعة، كانت تشير إلى العاشرة صباحًا، نظر في وجهي وهو يردد: “اذهب إلى عملك.. لا داعي للجلوس معي هيا اذهب”.

لم أتكلم؛ كنت أسترجع ذكريات مضت، حيث كان هو العامل المجتهد وكنت أنا المهندس المسؤول، كنت أسعد برؤيته كل صباح وهو يبتسم للجميع، كانت ملامحه تنم عن الرضا بكل شيء.. تعلمت منه الصبر والرضا بالقليل، ما زالت صورته وهو يحمل الأكياس على ظهره عالقة في ذهني، وصوت تسبيحه يعصفني بشدة. كم كان صبورًا جدًّا على مشقة العمل، ورغم ذلك تم الاستغناء عنه لأن عدد العمال كثير. كيف له أن يعيش؟ وماذا عن أسرته التي كان لا يكل عن الحديث عنها؟

توقفت عن التفكير وأنا أسأل:

– من اين ستنفق على أسرتك؟

ابتسم وهو يرفع يده إلى السماء

– الرازق هو الله؛ لا تقلق، حتمًا سيفرجها الله عليّ.

كنت صامتًا وأتأمله بحزن، صوت أحد العمال وهو ينادي عليّ يخرجني من وحل الذكريات، نظرت إليه وهو يصرخ بصوتٍ عالٍ: – المدير يبحث عنك

— حسنا.. دقائق فقط

– يا ابني اذهب إلى عملك.. لا داعي للجلوس معي، إذا شاهدك المدير ربما تخسر عملك.

التفت إليّ حمد ووضعت يدي على كتفه

– إذا احتجت إلى أي شيء.. أنا موجود.

شكرني وهو يبتسم ساخرًا، كنت أعلم أنه لن يطلب مني شيئًا، فظروفي المادية سيئة وكل من في المصنع يعلم ذلك، فالبنك يأخذ نصف راتبي بسبب شرائي منزل عن طريقهم، وما يتبقى من الراتب بالكاد يكفي للإنفاق على أسرة مكونة من أربعة أفراد (أنا وزوجتي وابني وابنتيّ)

– اذهب إلى عملك.. المدير ينادي عليك

قالها حمد بصوتٍ حزين.. لم أستطع الجلوس معه كثيرًا، فأنا بحاجة إلى عملي، وقفت ومددت يدي إليه مودعًا، كنت أعلم أنها المرة الأخيرة التي سوف أشاهده.. أمسكت بيديه بقوة وأنا أعرض عليه المساعدة، إلا أنه رفض وتركني وسار بخطوات سريعة نحو الشارع، وقفت طويلاً أنظر إليه حتى اختفى من أمامي. اتجهت نحو المصنع وأنا أسَبِّحَ بصوتٍ عالٍ كما كان حمد يفعل.

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى