إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

التقاعد

أمسكت بالورقة واتجهت خارج المدرسة، كانت مشاعري مختلطة؛ لم أستطع أن أفهم، هل عليّ الحزن أو الفرح؟ هل البعد يعني الخلاص من كل ضغوطات العمل أم أنه نهاية حياتي التي قضيتها حبيس كتابي وأقلامي وطلابي؟.

كنت أسير بسرعة متجهة إلى سيارتي، وعقلي عاجز عن استيعاب ما يحدث؛ وقفت أمام سيارتي طويلًا، تأملت مدرستي، هنا كنت أحضر باكرًا وكلي أمل بيوم جميل، كنت أتجول بين طلابي في وقت الفسحة، وكثيرًا ما أعطيت طلابي النقود لشراء طعام الإفطار من مقصف المدرسة، وأحيانا كنت أحَضِّر لهم الطعام بنفسي وأدفع لاحقًا للمقصف؛ كنت محبوبًا لدى جميع الطلاب والآن عليّ الرحيل، لم أستطع فتح سيارتي المتهالكه رغم أنه مفتاحها، لا أعلم هل هو الرغبة بالبقاء أم الحزن على سنوات تساقطت خلفي.

ركبت السيارة، إنها الشيء الوحيد الذي حصلت عليه بعد عمل دام أكثر من 25 عامًا، ما زلت أسكن في شقة مستأجرة ولا أملك أي رصيد بنكي، لا أعلم لماذا فكرت بكل هذا؟!.

دخلت إلى منزلي.. كان بودي أن أقابل أبنائي، ولكنهم كبروا وأصبح لهم عالمهم الخاص الذي لا يحويني. أغلقت باب غرفتي ووضعت رأسي على وسادتي وأنا أفكر بحالي الآن، تذكرت إيجار المنزل وفاتورة الكهرباء والماء وأقساط الأجهزة.. تساءلت: هل سيكفي راتب التقاعد أم لا؟ لم أستطع أن أنام، قمت من سريري وجلست في (الصالة) أمسكت بجهازي الذكي وأخذت أقلِّب بين المواقع والتطبيقات لعلي أجد شيئًا يشغلني.. دخلت زوجتي وصرخت:

– متى أتيت؟

– منذ مدة ليست طويلة، وأنتِ أين كنتِ؟

– كنت في المطبخ، هل تريد شيئًا؟

– لا

جلست بجانبي تحدثني عن احتياجات المنزل والأبناء.. نظرت إليها:

– وأنتِ ألا تريدين شيئًا؟

– لا.. أبغى سلامتك بس!

ابتسمت في وجهها.. إنها رفيقة دربي، لقد تحملت الكثير معي. أخرجت شيك المستحقات، لم تكن كثيرة ولكنها ربما تصنع شيئًا، أعطيته زوجتي، أخذته وهي تتأملني بحزن:

– لماذا لا تتركه معك؟! فكِّر بأي مشروع حتى ولو بسيط، الحياة صعبة جدًّا وراتب التقاعد لن يكفي، وما زلنا في شقة مستأجرة، فكر ربما تجد مشروعًا ولو بسيطًا.

أخذت الشيك وأعدته إلى جيبي، كنت أعلم أن زوجتي لن تأخذ الشيك؛ أعرفها جيدًا. قامت من أمامي بسرعة وأحضرت الشاي، مدت إليّ الفنجان وهي تبتسم، لا أعلم لماذا شعرت بالسعادة فجأة وأنا أنظر إلى وجه زوجتي، أخذت الفنجان وقربته من فمي وأنا مسرور جدًّا. كان طعم الشاي مختلفًا، هكذا شعرت، قمت من مكاني وفتحت النافذة ورفعت الستائر وأنا أردد (سيكون هذا الشتاء مختلفًا جدًّا جدًّا) ضحكت زوجتي وهي تقول:

– أنا معك في مشروعك الجديد، إن شاء الله سننجح ونشتري منزلًا كما كنا نحلم دائمًا.

ضحكت بصوتٍ عالٍ وأنا أهز رأسي موافقًا.

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى