إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

الرزق

هل نعيش وخوفنا من الغد يزداد يومًا بعد يوم؟ 

هل لقمة العيش أصبحت مغموسة بالذل والهوان والخوف؟

كان يتحدث معي بصعوبة، كان يبدو عليه الاشمئزاز وكأن أحدّا دفعه للحديث معي. الاستخفاف بي يطل من عينيه التي تأخذني من أخمص قدمي إلى أعلى رأسي، ثم تلقي بي، ثم تعود لتأخذني، ثم تلقي بي مرة أخرى؛ شعرت بالحزن على نفسي، حاولت أن أتكلم فقاطعني بصوتٍ عالٍ؛ عدت إلى صمتي، كم تمنيت أن أبيّنَ له أني لست مقصرًا في عملي، ولكنه الخوف من فقدان العمل، فالمدير يرى نفسه على حق والجميع مذنب ولا يحق له الدفاع عن نفسه.

أشار بيده إليّ بالخروج، ابتسمت بانكسار وخرجت، كان كل شيء حولي ميت لا حياة فيه، جلست على الكرسي وعيناي تنطلق في كل الاتجاهات، هذا عملي عليّ أن أراقب المكان جيدًة، كان كل شخص يدخل يبرز أوراقه الرسمية، أتحقق منها ثم أسمح له بالدخول. لم يكن عملي متعب كثيرًا ولكن المعاملة السيئة من المدير جعلتني أكره عملي ورغم كل ذلك أجد نفسي تتمسك به وبقوة فهو مصدر دخلي الوحيد الذي أُطعم منه أطفالي الثلاثة، وأدفع إيجار المنزل وفاتورة الكهرباء والماء. مع حساب المواطن نستطيع العيش بدون مساعدة من أحد، (الله كريم يا ابني) كثيرًا ما رددتها والدتي عندما أشكو لها الحال. كنت أعلم أنها لن تساعدني ولكنها الرغبة بالحديث والبحث عن كلمات تمدنا بالأمل.

– هل انت خريج جامعة؟ لماذا لا تعمل في مجال تخصصك؟

كثيرًا ما سمعت هذه العبارة، من كل شخص يسألني عن وظيفتي. كم كانت تمزقني وتشعرني بعجزي وقلة حيلتي (يا ابني هذه أرزاق، ورزقك لم يحن بعد) كانت أمي تقوله لي وأنا أصبر وأنتظر.

أمي مرت عشرة أعوام ولم يأتِ رزقي.. كانت تبتسم وتقول: (لم يحن رزقك بعد انتظر) والآن لم أعد أنتظر شيئًا، لا أعلم هل هو اليأس أم الرضا والقناعة بحياتي؟!

– اين مكتب المدير؟

– اعطني إثباتك

– أين مكتب المدير؟

– أعطني إثباتك أولاً

لم ينتظر.. دخل إلى المؤسسة وهو ينادي المدير بأعلى صوته، حاولت منعه ولكني لم أستطع، خرج المدير وما أن رآه حتى انفرجت أساريره ثم رمقني بنظرة غاضبة وأخذ الرجل ودخل وإياه المكتب. لم أستطع أن أقول للمدير شيئًا؛ حدث كل شيء بسرعة، حزنت قليلًا ثم تذكرت دعوات أمي لي في هذا الصباح، إنها البلسم لكل جروحي وألمي في هذا العالم.

نادى عليّ المدير تركت مكاني وركضت نحو مكتبه، عرّفني على الرجل الجالس أمامه وطلب منيّ أن أدخله المؤسسة بدون أي إثباتات رسمية وشكرني على حرصي على العمل؛ شعرت بالسعادة، تمنيت أن أقَبِّلَ رأس المدير، شكرًا له على تقديره لي. ولأول مرة.. رن جهاز هاتف المدير، نظر إلى الرقم وهو يردد (لا أعرفه.. من يكون؟) رد عليه بصوت متردد ثم ضحك عاليا، كان يتحدث وأنا أنتظر أن يأذن لي بالانصراف، لم تأخذ المكالمة أربع دقائق، أغلق الهاتف ووضعه على الطاولة التي أمامه وهو ينظر إليّ مبتسمًا.. سألني:

– منذ متى وانت تعمل في مؤسستنا؟

— سبع سنوات

– ألا ترى أنها كثيرة (قالها وهو يضحك)

أخفضتُ رأسي بحزن، مد ورقة لي وهو يقول (اذهب إلى المحاسب حتى يعطيك مستحقاتك، لقد تم تعيين حارس أمن بدلًا منك)

أخذت الورقة وانصرفت إلى المحاسب، لم أحزن، شعرت وكأن قلبي أصبح قالبًا من الثلج، لم أعد أهتم لشيء، يبدو أنى فقدت إحساسي بكل شيء، حتى بالحياة. أخذت مستحقاتي وانصرفت، تذكرت أمي وهي تقول: «لم يحن رزقك بعد.. انتظر فلعل الوقت قريب».

سرت في الشارع وأنا أستغفر بصوتٍ خافت والأمل بالغد يبرق من بعيد.

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى