إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

أسماء

كانت تقف خلفي عندما كنت أتحدث معه، لا أعتقد أنها سمعت شيئًا؛ كان صوته خافتًا وأنا كنت أتحدث بصوت منخفض جدًا، حتى إنه كان يطلب مني أن أعيد ما قلت.

ولكن معاملتها قد تغيرت كثيرًا.. ربما لم ألاحظ ذلك.

هل تعلمين؟ لم أعد أهتم.

هل تعرفين أن يصل الإنسان إلى مرحلة لم يعد يهتم لأي شيء؟ إن الدنيا بأكملها لم تعد تشغلني، لقد مللت من كل شيء وكرهت كل شيء.

ضحكت زينب قليلًا وهي تقول: “أخشى أنك كرهتني أنا أيضًا.

حتى الآن.. لا

دخلت زوجة أبيهما وهي تسأل: عم تتحدثون؟

“لا شيء” قالتها أسماء وهي تلبس عباءتها.

إلى أين؟

إلى منزلي.. لقد تأخرت؟!

نظرت زوجة أبيها إليها بغضب وهي تقول: “وأنا.. أليس لي الحق أن تجلسين وتتحدثين معي مثلما تفعلين مع أختك؟ أم أني أصبحت غريبة عنكم؟

لا.. ليس هكذا.. بس أنا أحب أجلس مع أختي.

خرجت زينب بسرعة تاركة زوجة أبيها تتحدث بصوت عال، بينما أسماء أمسكت بالكتاب الذي أمامها وتظاهرت بقراءته. نظرت زوجة أبيها في أرجاء الغرفة بغضب ثم خرجت. كانت الساعه الخامسة عصرا والجو في الخارج يميل إلى الدفء، وثمة شعور يتسلل إلى قلب أسماء يزيدها خوفا من كل شيء، فمنذ شهر توفي والدها تاركًا أسماء تصارع الحياة وحدها؛ فهي لم تتزوج بعد ولا تمتلك أي وظيفة، ولم يترك لها والدها أي ثروة تعيش منها سوى هذا المنزل.. كانت أسماء حزينة جدًا وتفكر في مصيرها كثيرًا، فزوجة أبيها لم تكن يومًا من الأيام الأم الحنون، بل زوجة الأب القاسية، فرغم أنها لم تنجب أطفالًا إلا إنها كانت تكرههم جميعًا وتتظاهر أمام والدهم بجبها لهم.

توقفت أسماء عن التفكير وفتحت حقيبتها وأخرجت هاتفها ثم اتجهت إلى الباب لكي تطمئن أن زوجة أبيها لا تسترق السمع خلف باب الحجرة –كعادتها- عادت أسماء إلى مكانها واتصلت بأخيها، كانت تحدثه بصوت خافت، وطلبت منه الحضور ثم أغلقت الهاتف وخبأته في حقيبتها مرة أخرى. أمسكت بالكتاب للقراءة ولكنها سمعت صوتًا غريبًا؛ قامت من مكانها ولكنها عادت مرة أخرى؛ شعرت بالخوف ولم تعلم لماذا؟.

تذكرت أنها تملك مفتاحًا لغرفتها؛ هرعت إلى درج مكتبها تبحث عن المفتاح ولكنها لم تجده، دخلت زوجه أبيها وهي تسأل:

ماذا تفعلين؟

صرخت أسماء: لماذا تدخلين هكذا؟

من أنت حتى تسألين هذا السؤال؟

لم تجب أسماء، بل طلبت منها الخروج من غرفتها، إلا أن زوجة أبيها ردت عليها بغضب: “اسمعي.. هذا البيت بيتي، أبوكم كتبه باسمي قبل ما يموت بأسبوع، وأنا ما قلت لكم وقتها، لكن الآن لازم تعرفوا، وقولي لأخوك وأختك، وترى كلامك مع أخوك سمعته كله.

كنا حاسين من الأول علشان كذا طلبت من أخوى يتأكد وكنت عارفة أنك سمعت كلامنا. عموما أمهليني كام يوم وراح اترك لك البيت.

خرجت زوجة أبيها ولم تجب، بينما بكت بأسماء بحرقة وأخرجت هاتفها وفتحت تطبيق الرسائل وكتبت في مجموعة الأخوة، رسالة لأخيها وأختها تخبرهم بكل شيء.

أغلقت هاتفها وهي تردد: “إلى أين سأذهب” سمعت صوتًا عند باب غرفتها، مسحت دموعها بسرعة، لم تكن ترغب بأن يراها أحد وهي تبكي، فقد ظلت سنوات طويلة تتظاهر بأنها الفتاة القوية التي لا تُكسر أبدًا، ولكنها الآن تشعر بعمق بأنها كُسرت وإلى الأبد.

دخلت زوجه أبيها، كانت تبتسم وهي تسأل:

– تبكين؟

— لا وليه أبكي

– مدري شكلك تبكين؟

— لا.. اطمني لم أبكِ!

– طيب متى ماشية؟

— يومين بس

ضحكت بصوت عال ثم انصرفت. كانت أسماء تبكي بصوت عال؛ شعرت أنها وحيدة ولا أحد سيهتم لحالها.

سمعت أصواتا عالية وكأنها شجار مع زوجة أبيها، ولكنها لم تخرج من غرفتها، كانت الأصوات قوية جدا؛ حتى إنها استطاعت أن تميزها، كان صوت أخيها وزوجة أبيها. حاولت أن تخرج من غرفتها ولكنها تراجعت عن قرارها واتجهت إلى خزانة ملابسها  لتُخرج كل ما فيها وتضعه في حقيبتها.

فتح أخوها الباب وهو يصرخ: “ماذا تفعلين؟”

لم تجب أسماء.. نظرت إلى أخيها بحزن ثم عادت إلى خزانة الملابس، نزلت دموعها، التفتت إلى أخيها لتقول له شيئًا ولكنها لم تستطع، فانفجرت باكية.

إلى أين ستذهبين؟

لم تُجب؛ كانت تبكي بصوت عال.

دخلت زوجة أبيها، كانت صامتة على غير عادتها، اقتربت من أسماء.. توقفت أسماء عن البكاء ونظرت إلى زوجة أبيها بخوف، بينما صرخ أخوها:

ماذا تريدين من أختي؟ ابتعدي عنها.

لم تجب زوجة الأب، بل أخذت ملابس أسماء وبدأت بإعادتها إلى الخزانة، وهي صامتة. جلست أسماء تتأمل زوجة أبيها بذهول. الأمطار بالخارج بدأت بالانهمار، نافذة الحجرة مفتوحة، قطرات من الأمطار تتطاير في الأرجاء، رائحة المطر تملأ الحجرة، الهواء البارد يداعب شعر أسماء المنسدل على كتفيها ويزيدها خوفًا من المستقبل.

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى