إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

نافذة عبر الزمن (14)

سألت عنهم في أماكن الحافلات ومنافذ السفر، واستخدمت كل ما أملك من صلاحيات وما أعرف من معارف في هذا المجال، فعلمت أنهم استقلوا حافلة كان آخر مكان لها حادثًا مريعًا؛ أتيت إلى هنا وسارعت لإدارة المستشفى واستعلمت عن الأسماء فجاءني الخبر المريع أن اسم ابن أخي بين أسماء المتوفين؛ كدت أُجَن، وسألت عن اسم شقيقته، لكن كإبرة في كومة من القش، لا يعلمون عنها سوى أنها خرجت بصحبة أخيها -كما يقولون- صُعقت؛ فأنا أعلم أن لا شقيق آخر لها، ولكن أحدهم أخبرني بأن شقيقها يعمل في المستشفى، وهنا اتفقت مع أحد العاملين هناك أن يرشدني لمكتبك وأن أراك من بعيد، وحصل ذلك وقررت تتبعك ومراقبتك حتي أستطيع أن أخلص ابنة أخي من براثنك أيها المنتحل لشخصية أخيها، وعندما أتيت لك في المرة السابقه كنت أريد التسلل إلى غرفتها وإخبارها عنك وعمن تكون، وأن أخبرها كذلك بأنني القريب الوحيد لها هنا، ولكنك فاجأتني وقمت بدعوتي لمنزلك الذي هو في الأصل منزلي، وأعلم مخارجه ومداخله، وعندما أمرتك بأن تحضر الصغيرة كان الهدف معرفة مدى تعلق الصغيرة بك، فأنت لم تخبرها من تكون لذلك هي تثق بك على أنك شقيقها وهذا ما لم ولن أسمح به بعد الآن.

توقف بطلنا مذهولًا وأرخي يديه عن كتفي ذلك الرجل وقال بصوت حزين: “ولكنها كفيفة مسكينه يتيمة وحيدة؛ لا يمكنك قتل ما بقى لها من أمل في بقاء أخيها بجوارها”.

فقال الرجل وبقوة وصلابة هذه المرة: “ولكنك تعلم وتعرف حق المعرفة بأنها ليست شقيقتك وأن أخاها الحقيقي قد فارق الحياة”.

قال بطلنا: “أرجوك لا تقتلها بهذا الخبر”.. هنا سمعوا صرخة مدوية في المكان، أخي مات، هل حقا أخي قد مات؟! من أنتم إذًا أيها الأوغاد، التفت الجميع لمصدر الصوت، ولكن سرعان ما تهاوى جسدها الصغير على الأرض فاقدة للوعي؛ صرخ بطلنا “تبا لك من عم؛ لقد قتلت صغيرتي.. تبا لك” وأسرع الرجلان نحو الصغيرة يتدافعان أيهما يحملها أولا. قام بطل قصتنا بدفع الرحل بعيدا عنه وحمل الصغيرة مسرعًا بها للمستشفى، أُدخلت الصغيرة لغرفة العناية المشددة.

وبعد مرور أربع وعشرين ساعة أُخرجت للقسم لتبقى تحت الملاحظة، دخل بطلنا إلى الغرفة بعد أن أذن له الطبيب، كان حذرًا ويمشى بتمهل، لكن قبل أن يقترب من سريرها قالت له الصغيرة: ابقَ بعيدًا عني فأنت لست أخي” تعجب بطلنا كيف عرفت أنه موجود في الغرفة، فسألها: “هل ترينني أيتها الصغيرة” أجابت فورًا “أنت ذلك الرجل الذي تشاجر مع أخي قبل صعود الحافلة.

دُهش من كلامها، فهي حقا ترى وتتذكر الحدث، حقا أنه قد تشاجر مع أخيها عندما صرخ بها بعد أن اختفت لجلب الحلوى، إذًا هي تتذكر كل شيء وترى الآن بوضوح، لقد استعادت بصرها من جديد، قال ذلك بطلنا وهو يقترب من الصغيرة ويقول: ” حمدًا لله على سلامتك يا صغيرتي”، لكنها صرخت بكل طاقتها وهي تقول: “ابتعد عني.. انقذني يا عمي” جاء عمها والطبيب مسرعان، وكان عمها قد عنف بطلنا كثيرا خلال الأربع والعشرين ساعة، كما توعده بالعقاب الشديد.

كانت الصغيرة تصرخ؛ سارع عمها لضمها وهو يقول سنعاقب هذا الرجل الذي سرق هوية أخيك؛ دُهش بطلنا من هذا النعت الغريب له ومن قسوة هذا الرجل؛ فبدل أن يشكره على رعايته وعنايته بابنة شقيقه يسعى لتدميرة وتحطيمه، كما أنه استغرب رد فعل هذه الصغيرة التي تبدو قد ورثت قسوة عمها، فهي قد نسيت أنه كان يهتم بها طيلة هذين العامين.

يا لها من جاحدة. وبينما كان في دهشته البالغة إذا بعمها يصرخ به (اخرج الآن وسوف نحاسبك على كل صغيرة وكبيرة فيما بعد)، خرج حزينًا مغلوبًا مقهورًا من عالمه الظالم وحظه التعيس الذي لا يكاد يبتسم حتى تعصف به الحياة.

خرج.. فإذا بالشرطي ينتظره خارج الغرفة ليقوده أسيرًا لمخفر الشرطة، هناك بادره الضابط بقوله “أخبرني الآن ماذا فعلت بالشاب وكيف قتلته؟” صرخ من هول ما ُنسب إليه، فأ قسم أنه لا يعرفه ولم يره قبل تلك الرحلة، فسأله الضابط ولكن تلك الصغيرة أفادت أنك قد تشاجرت مع أخيها وأنك قد حاولت أن تأخذها منه عنوة.

ذُهل ودُهش جدا مما سمع.. فأقسم أنه لم يفعل ذلك وأن تلك الصغيرة كانت ضالة في ذلك المكان وكان أخوها يبحث عنها فوجدها بعد عناء، وهمَّ بضربها، فحملتها بعيدًا عنه وتشاجرت معه من أجلها لا من أجل اختطافها، قال له الضابط اثبت ذلك.. هل لديك شهود على الحادثة؛ فغر بطلنا فاه وهو يقول: “لا شاهد لي سوى الله وتلك الصغيرة.. فهي التي تعلم الحقيقة ولا أعلم لماذا تتهمني بهذا الاتهام. قال الضابط لماذا أخرجتها من المستشفى مدعيا بأنها أختك وأنت تعلم أنها ليست أختك كما تعلم أنه في هذه الحال تخبر إدارة المستشفى لتبلغ الجهات المعنية بأمر الطفلة، وتحال في هذه الحال لدار الرعاية الاجتماعية؛ وقف مصعوقا فهو حقا الآن في موقف لا يحسد عليه؛ ماذا سيقول؟ هل سيقول موقفًا إنسانيا ووعد لمحتضر أن يرعى شقيقته بعد موته ويحميها، حقا القانون لا يحمي المغفلين؛ أدرك الآن أنه في موقف صعب ولا يمكن أن يخرج منه إلا بمعجزة إلهية.

وضع يداه على المكتب أمامه وانسكبت دموعه حرقة وألما؛ فهو لم يعش يومًا واحدًا دون عذاب حتى هذه اللحظة.. نظر له الضابط بتعجب وقال: ماذا بك هل هذا اعتراف منك بجريمتك؟.

رفع رأسه ونظر في وجه الضابط وقال: …

بقلم/ موضي الطيري – القيصومة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى