إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

الخمسيني

عندما كنت أسير باتجاه المنزل، كان الأمل بالغد يبرق من بعيد، والآن أشعر بعمق بالخوف من كل شيء. كنت أمسك بالقلم وأنا أتأمل السجل الذي أمامي، كان عليّ أن أملأه كله ولكني لم أعد قادرًا على الكتابة. التقطت مفاتيحي التي على مكتبي وخرجت من المكان، هل الحياة فقدت لونها البهيج؟ أم أني كبرت حتى عن الإحساس بالحياة؟

دخلت سيارتي وأخرجت سيجارتي وبدأت أدخن.. شعرت بغضب، حتى نكهة هذا (السيجار) لم تعد نفسها، كل شيء قد تغير فعلًا، رن هاتفي وإذا به المدير يسأل عن سبب الخروج وترك العمل، كان مهذبًا للغاية، أما أنا فقد أفرغت كل تعاستي في وجهه. لم يطل الحديث؛ أغلق الهاتف بسرعة؛ أما أنا فقد ندمت كثيرًا على أسلوبي الجاف مع مديري المهذب، كنت أعلم أنه لم يغضب مني ولكني حقًّا أخطأت، وهذا عمله.

لا أعلم لماذا لا نلتمس للآخرين عذرًا رغم أننا مسلمون وديننا يحثنا عن حسن الظن بالآخرين؟

انطلقت بسيارتي نحو منزلي المتواضع، كانت البقالات التجارية تمر من أمامي سريعًا مثل أيام حياتي التي مرت دون أن أشعر بها.

– كم عمرك؟ قالها أبو الفتاة التي خطبتها منذ أشهر

— فوق الخمسين شوي

– وما تزوجت حتى الآن؟

— لا

– ليه؟ ممكن نعرف ليه؟

— ما كان الزواج في بالي!

– والحين في بالك؟

— يعني من سنتين صرت أفكر

– ما عندنا بنات للزواج

كنت أعلم أن الجميع ينظر إليّ بريبة لأنني لم أتزوج، حتى صاحب الشقة التي أسكن فيها يراقبني دائمًا أثناء دخولي أو خروجي، الجميع متعجب منّي، كنت أتحاشى الجميع وأصعد إلى شقتي في الدور الثالث. كنت الولد المدلل لأمي لذلك لم ترغب والدتي بأن تشاركها امرأة أخرى حبي لها؛ ولم تشجعني على الزواج. بعد وفاتها شعرت بأني وحيد وفكرت بالزواج ولكن لا أحد سوف يقبل برجل في منتصف الخمسين ولا يملك من حطام هذه الدنيا شيء، حتى الوظيفة سوف أتركها قريبًا رغمًا عني.

دخلت شقتي وأنا حزين جدًّا؛ ليس لي أصدقاء ولم يعد الأقرباء يشعرون ببعضهم بل لم يعودوا يعرفون بعضهم؛ كدت أختنق حزنًا، رأسي بدأ يؤلمني، توجهت إلى الثلاجة؛ أبحث عن علاج لألم رأسي، ولكني لم أجد، سخنت الماء لعمل كوب من الشاي لعل الألم يزول، وضعت الشاي وفوقه الماء الساخن وملعقتين من السكر.

– بعد الأربعين قلل من السكر

أغمضت عيناي ثم فتحتها مرة أخرى حتى لا أتذكر زميلي في العمل وهو يوجه إرشاداته لمن تخطوا سن الأربعين لم أعد أحتمل النصائح، الجميع أصبح طبيبًا يوجه الإرشادات والنصائح حتى أن بعضهم يرسل نصائحه عبر رسائل وتطبيقات الهاتف.

أخذت الكوب وجلست في الشرفة، كان الجو حارًّا جدًّا، والسيارات تمر بسرعة من الشارع الرئيسي، لا أرى من شرفتي سوى المنازل الأسمنتية والسيارات وبعض المارة، لم يكن هناك شيء يستحق المشاهدة؛ خرجت من الشرفة واتجهت إلى غرفتي للنوم.

النوم هو أفضل شيء يقوم به كبار السن.. تذكرت صوت زميلي في العمل وهو يقول ذلك لي كلما وضعت رأسي على مكتبي للاسترخاء.

استلقيت على فراشي، سمعت صوتًا وكأنه أذان صلاة الظهر، نظرت إلى ساعة يدي، باقي ساعتين على الأذان.. قمت من مكاني، تذكرت أني نسيت التلفاز مفتوحًا على قناة القرآن الكريم، جلست على الكرسي، كان صوت القارئ عذبًا جدًّا، شعرت معه بأني أنطلق مع الآيات القرآنية إلى عالم جميل جدًّا، وكأنني أطير في الفضاء والهواء البارد يداعب وجهي وأنا أحلق في السماء.

 أحلق عاليًا.. عاليًا جدًّا.

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى