إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلاممشاركات وكتابات

بين ابتسامتين

نُودي علينا نحن قريباته ومحارمه لدخول الغرفة المسجى فيه جسده الطيب لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، بعد أن فرغ الرجال من ذلك. للموت هيبته المسيطرة على المكان والزمان، وللحزن جلاله. منا من قبَّلت جبينه، ومنا من أمسكت بيده تدني منها وجهها وفمها، ومنا من ارتمت على صدره. كان النحيب المختنق هو سيد الموقف، غير أنّه بعد برهةٍ حلَّت على الغرفة ومن فيها سكينةٌ عجيبةٌ، شعر الجميع بنوعٍ غريبٍ من الارتياح، طاقة سلامٍ وطمأنينة نزلت علينا جميعًا؛ توقف نحيب أمّه، وبكاء أخواته، الكلُّ مصوبون عيونهم على وجهه البهيِّ، وكأنَّهم يرونه لأول مرَّةٍ.

كان مبتسمًا رغم مضيِّ عدّة ساعات على وفاته، هالةٌ من نورٍ تكسو وجهه وجبينه ويديه، لحيته الكثيفة التي غزاها الشيب منذ بضع سنين بدت شعراتها البيض أشدُّ بياضًا، والسود أكثر اسودادًا.

يا للدهشة؛ أهذا وجه عمِّي (والد زوجي)، الذي عرفته منذ أكثر من ثلاثة عشر عامًا.

بدا لي وجهه الآن أكثر نضارةً وحيويةً من ذي قبل.

“إذا كان الموت هكذا.. فمرحبًا به”.

هذا ما جال ببالي حينها، لعلَّ مرد ذلك كون آخر عملٍ قام به -قبيل وفاته- الصلاة.

هكذا فكرت.

 نعم.. كان قلبه الرهيف معلقًا بالمساجد في الغدو والآصال. منذ أن عرفته لم أره يؤدِّ فرضًا واحدًا في أيِّ مكان غير الجامع. البارحة وصف لي زوجي، الذي كان حاضرًا بالأمس لحظات احتضاره قائلًا: “كان ذلك بعد أن انتهى من إمامة الناس بصلاة العصر، استدار نحو جماعة المسجد خلفه، وما إن قرب اللاقط، وفتح فمَّه لإلقاء درسه المعتاد، حتى صعدت روحهُ من بين تلك الشفاة إلى بارئها بكلِّ يسرٍ وسهولةٍ ولين”. وأضاف زوجي: “تملكتني الدهشة.. بلغ بي الفزع مبلغه، أحسست أنَّ كلّ من بالجامع حينها فقده وإلى الأبد، وكذلك المئذنة والمحراب والسجاد ودواليب المصاحف، جدران وفراش الجامع الواسع الأرجاء، شعرت بأنّ الجميع يصرخ بصمتٍ، ويبكي في أعماقه من غير صوتٍ أو دموعٍ”.

والصمت يلفُّ المكان، تهيأ لي بأنَّني أسمع صوتًا شجيًّا آتٍ من مكانٍ ما -لا أعرفه- يردِّد مرَّة تلو أخرى قوله تعالى: “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي”.

أتذكر الآن بجلاءٍ شيئًا مما قالته لي قبل سنوات معلمة مادة التفسير في المرحلة المتوسطة الأستاذة منيرة، وهي تشرح لنا تفسير سورة النازعات: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ يعني: الملائكة الْمُوَكَّلة بقبض أرواح المؤمنين، تنشطها نشطًا، أي: تَسُلُّها برفق كالأُنْشُوطة، وأظنكم تعرفون الأنشوطة: الرَّبْط الذي يسمونه عندنا (التكة) أو ما أشبه ذلك من الكلمات، يعني يكون ربطًا، بحيث إذا سَلَلْتَ أحد الطرفين انفكت العقدة، هذا ينحل بسرعة وبسهولة.

نودي علينا ثانيةًّ أن نخرج، ليدخل الرجال، ويحملوا الجثمان للحرم للصلاة عليه، ومن ثمَّ دفنه بالمقبرة.

 يا الله.. ما وددت أن أخرج، ثمّة شيءٌ ما يشدُّني للبقاء، بالكاد سحبت رجليَّ.. متثاقلةً خرجت، لاحظت أن أمّه وأخواته وبناته كذلك أثناء مغادرتهن الغرفة.

بعد أن خرجت، آثرت أن أخلو بنفسي في غرفةٍ صغيرةٍ خاليةٍ بالجوار، توقعت وتمنيت أن تسعفني دموعي، لكنّها عزَّت وتمنعت. لا أرى أمامي إلا ابتسامته اللافتة التي تملأ وجهه، ابتسامته الأخيرة التي قدِّر لي رؤيتها للتو، تلك الابتسامة التي أعادتني إلى أوَّل ابتسامةٍ رأيتها خلسةً في وجهه الباسم قبل خمسة عشر عامًا، الابتسامة التي بدَّدت شيئًا من سحائب قلقي ورعود ارتعاشاتي عندما أتوا لخطبتي لابنهم ذات ليلةٍ ليست ككلِّ الليالي. ومن قال إنَّ الليالي سواسية؟!.

“تذكرت والذكرى تسيل مدامعي، ومن عادة المحروم أن يتذكرا”.

 تتابعت في فكري الذكريات، توالى في قلبي الحنين لمواقف حدثت لي معه -رحمه الله- قبل عشرة أعوامٍ ذات مساءٍ باردٍ بينما نحن جالسون في فناءِ المنزلِ والأطفال حولنا يلعبون، قال طفلي خالد ذا السبع سنوات مناديًا جدَّهُ:

– بابا.. بابا.. اشترِ لي جملاً.

  لا تستغربون فأطفالنا ينادون جدَّهم بأبي. تكررت الجملة السابقة بإلحاحٍ شديدٍ وتواصلٍ عجيب بلا كللٍ ولا مللٍ؛ التفتَ إليهِ الجدُّ، وقال له بصوتٍ هادئٍ ولحنٍ جميلٍ:

– أبي يا أبي اشتري لي جملْ صُغيّر، صُغيّر رضيع اللبنْ.. رِكبْته رِكبْته طلع بي الجبلْ.

 انفجرت أسارير ذلك الطفل لسماعهِ تلك الأهزوجة القصيرة ونسي طلبه تمامًا، ثم ذهب يركض وهو يردِّدها؛ وما زال أطفالي حتى اليوم يرددونها بين حينٍ وآخر بنفس اللحن. في تلك اللحظات ونحْن نشاهد المشهد أهدانا درسًا في الصّبرِ على الأطفال آت من خبرةٍ ودرايةٍ ونبلٍ ووعي بالتربية الحقّة، وتمثل هذا الدرس في أنَّنا متى ما تعاملنا مع طلبات أطفالنا بحلمٍ وطول بالٍ وتفهمٍ، ولبينا ما يمكن تلبيته منها، وصرفناهم بذكاء عمَّا لا يمكننا تلبيته، فإنَّ مهمتنا كآباء وأمَّهات ومربين ومعلمين ستجدي وتفلح. ما زالت ذاكرتي تفيض بطيف من المواقف الماضية تمر سراعًا واحدًا تلو آخر. في أحدِّ الأيام، بينما كنت أمشي في الفناء الخارجي انعطفت نحو الزاوية فدخل عمِّي فجأةً من باب البيت، عندها فزعت وبلا شعورٍ قلت:

– يا الله.. عمي.. ظننتك رجلاً؟!

وقال بضحكةٍ مكتومةٍ:

– وأنا ظننتك امرأةً.

ضحكنا وذهب كل منا لحال سبيله. بعد حينٍ، استرجعت الموقف وانتبهت لعبارتي: “ظننتك رجلاً” أدركت خطئي، لكنِّي قصدت القول: ” كنت أظنُّك رجلا غريبًا، عليَّ ألا أظهر أمامه إلا محجبةً”.

بعد زهاء الساعة، خرجت من الغرفة، ما زال السؤال مستحوذًا على تفكيري: “ماذا رأى عمي -رحمه الله- لحظات احتضاره، حتى يبتسم كلَّ هذه الابتسامة”!

 بقلم/ خديجة الزيلعي

مقالات ذات صلة

‫8 تعليقات

  1. يالله ياخدوج رجعتينا 5 سنوات للوراء رحم الله وجه ونفس طيبه لاعرفنا منها الا الطيب كان
    نعم الاخ ونعم الصديق ونعم الجار الى جنة الخلد ياحبيب قلبي ادمعتي مقلتى 💔💔💔

  2. ماشاء الله تبارك الله … أبدعتي خدوج سلمت يمينك اختى الغالية ورحم الله الشيخ خالد وغفر الله له وجميع أموات المسلمين وننتظر ابداعاتك القادمة بكل شوق 🌹

  3. حبيبتي خدوجة .. .. ماشاء الله أهنئك على قلمك الراقي الذي يحمل هذه المشاعر الجياشة … رحم الله الشيخ خالد ، وأحسن عزاء والدته الحبيبة وزوجه وأخواته وأبنائه وبناته …أحسن الله عزاء جميع آل خالد القرشي نعم الجار .. جمعه الله بكل أحبابه في الفردوس الأعلى

  4. حبيبتي خدوجة .. .. ماشاء الله أهنئك على قلمك الراقي الذي يحمل هذه المشاعر الجياشة … رحم الله الشيخ خالد ، وأحسن عزاء والدته الحبيبة وزوجه وأخواته وأبنائه وبناته …أحسن الله عزاء جميع آل خالد القرشي “نعم الجار “.. جمعه الله بكل أحبابه في الفردوس الأعلى

  5. ماشاءالله مبدعه خدوج كما تعودنا منك ياعسل، ورحم الشيخ خالد القرشي وأسكنه فسيح جناته يارب🤲🏻

    1. ستبقى ذكرياتهم محفورة في اعماق أعماقنا
      أخذ الموت اعز من نملك لكن عزائنا اننا بإذن الله لنا لقاء تحت عرشة الكريم
      حيث الحياة الأبدية دون فراق.
      ابدعتي ياجميلتي،، استمري في طرحك
      وكلي شوق لقصتك القادمة💙

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى