إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

وفي رواية

كنا نتناقش -صديقي وأنا- هذا الصباح حول حادثة تاريخية وما تبعها من قرارات، وتضاربنا بالآراء لا الأيدي -صديقي وأنا- فهو يرى أن ما صدر من قرارات -من المسؤول الذي كانت لديه القضية- جانبها الصواب، وليست عادلة، وقادنا ذلك إلى مفهوم العدل والعدالة.. واتفقنا أن مفاهيمَ مثل العدل والحرية والديموقراطية، وغيرها من المفاهيم تُصنَّف في الفلسفة على أنها مفاهيم نسبية Relative Concepts

كان نقاشا هادئًا مع خيوط الفجر الأولى ولما بعد تنفس الصبح.

قال لي صديقي ذات نقاش:

History is mainly a study of change in the course of human dynamic progression or regression along with how and why. The process must be supported with proof, not mere opinionated assertion

التاريخ هو أساسا دراسة للتغيير في مسار التقدم الديناميكي البشري أو الانحدار جنبا إلى جنب مع كيف ولماذا، ويجب دعم العملية بالأدلة، وليس مجرد رأي مطابق.

وأضاف:

History is a science with well-established research methodologies.

التاريخ هو علم ذو منهجيات بحثية راسخة.

التاريخ إذًا علم مثل أغلب العلوم يعتمد على معايير علمية وليست ظنية، على أدلة تدعم التغيير في مسار الأمم الديناميكي سواء كان تقدمًا أوانحدارًا، ولا مجال هناك لرأي المؤرخ في تدوين الأحداث.

وعندما نتحدث عن التاريخ العربي والإسلامي فإن هذه التعاريف لا تنطبق عليه بشكل كامل، فالتاريخ قديمه وحديثه هو المؤرخ أولا، لذا فالتاريخ عندنا حكايات يرويها حكواتي، تتلون وتتغير حسب تغير المناخ والظروف، وعليه فالمؤرخ لا يكون موضوعيا في سرد الأحداث كما جرت، ناهيك عن أن تلك الأحداث لم تكن مكتوبة، بل روايات أو قصص تناقلها أشخاص عن أشخاص، وربما تحكَّمَ في النقل الأهواء والمزاج والميول الشخصية.

يتوجب على الراوي أو المؤرخ أن يكون موضوعيا Objective وليس ذاتيا Subjective.

وبناء على ما سبق لا نستطيع أن نطلق صفة أو لقب مؤرخ على من نقل إلينا أخبار الأمم السابقة، بل هو إنسان يسرد حكايات ويذيلها باليوم أو الشهر والسنة.

وهنا (يحبو) في ذهني سؤال:

هل ننفي كل ما ورد إلينا من أحداث ومواقف ونشكك في صحتها بناءً على ما سبق؟

والإجابة ليست عقلانية ومنطقية إن كانت بنعم، ولن تكون عادلة إن كانت بالنفي؛ فهناك أحداث حصلت ولا شك في ذلك وترتب عليها قدم ديناميكي وانحدار/ سقوط كيانات وقيام أخرى، وظهور أيديولوجيات واختفاء غيرها، وتغلب أفكار على أفكار، وسيطرة أقوام على أقوام، ورسم حدود ومحو أخرى، وتكوين تحالفات على حساب دويلات، وبزوغ قوميات، وطغيان أقليات على عرقيات مختلفة، ونشوء أحزاب وطوائف ونحل وملل.

ويتخذ أغلب الباحثين في تاريخنا منحى يكاد يكون أقرب للتطرف، وهي صفة تفسد منهجية البحث، فهناك أحداث لم نعرفها ولم تُرو، وعليه تبنى الأحكام سواء كانت مع أو ضد، فالزمن الذي نعيش فيه غير الزمن الذي وقعت به تلك الأحداث، ولا أستطيع الجزم بصحة ما حدث قطعيًّا، ولا نفيه كليا، إلا أن

أعود لذلك الزمن وأعيش فيه وتقلباته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

قال صديقي: “لا اعتراض على نسبية وتاريخية المعرفة، لكن يجب أن تشمل النسبية الكل دون استثناء”.

أرى من وجهة نظري غير المتواضعة إعادة قراءة وكتابة التاريخ على أسس علمية، وإثبات ما تواترت به الروايات، مع تطبيق المعايير الواردة أعلاه، وتشذيبها وتهذيبها، ونفي الخبث عنها وما يرقى إلى الأسطورة والخرافة، وأعلم مسبقًا أننا لن نحصل على نسخة نقية تمامًا، لكن في المحصلة النهائية سيكون لدينا تاريخا خاليًا من الذاتية ويتسم بالموضوعية والعقلانية، وبعيدًا عن القصص الإنسانية التي تطغى عليها المبالغة أحيانًا، والمثالية الملائكية غالبًا، والحبكات الهوليودية أحايين أخرى.

بقلم الكاتب/ علي الأزوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى