إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

نافذة عبر الزمن (الحلقة الأخيرة)

تفاجأ بصوت رخيم يقول: “بل هنا مكانك وهنا سأعتذر عن كل ما بدر مني نحوك، فأرجو أن تسامحني على ما فعلت وعلى تسرعي وعدم تثبتي من الأمر” حدق بطلنا في مصدر الصوت بعينين متسعتين ودهشة بالغة، وقال: “على ماذا تعتذر؟! عن ثلاث سنوات قضيتها من عمري خلف أسوار السجن البغيض أم عن عامين قضيتهم باحثا عنك لأسلمك الأمانة التي تخليت عنها لتهتم بصحتك أولًا، ألم تكن سلطتك تمنحك البحث عن أبناء شقيقك في طرفة عين؟ أو لم تتخلى عنهم وأنت قادر على الوصول لهم؟، لا تحاول أن تجد لنفسك العذر فلا عذر لك”

قال: “نعم.. أنا أعترف بهذا الخطأ الفادح وأرجوك أن تسامحني على ما هو أعظم من ذلك”. استدار بطلنا بكل جسده ليواجه هذا الرجل البغيض، وقال: “وما هو الأعظم من ذلك”.

أطرق الرجل نحو الأرض وقال: “إن أباك هو شقيقي أيضا، وقد عملت على تحطيمه انتقامًا من والدي الذي كان يسعى لتفريقي عن زوجتي، فقد ظننت أن أباك له يد فيما أصاب أسرتي فحاربته في تجارته وأغريت به التجار حتى انهارت ثروته وفقد حب زوجته التي كانت متمسكة به من أجل المال، عندما علمت أنه بدأ يفقد ماله طلبت منه الطلاق، لم يصدق حينها وأصيب بذبحة صدرية أودت بحياته”؛ جثى بطلنا على ركبتيه والألم يعتصر قلبه وهو يقول: “مسكين يا أبي.. إنك تشبه ابنك كثيرًا؛ مُحبٌّ لمن لا يعرفون الحب”.

وبدأ يتذكر ملامح أمه التي كلما حدثها عن أبيه بدا على وجهها الامتعاض، وتذكر أنها فضلت ذلك البغيض وأبناءه عليه، وأنها استغنت عنه مقابل أن تحتفظ بصغارها وزوجها الذي كان يملك المال؛ صرخ بكل قوته وهو يقول: تبًّا لهذا الحظ تبًّا لأولئك الأشرار، أقسم أني سأجعلكم تندمون على ما فعلتم بأبي وبي أيها الأوغاد. نهض كالشبح وأمسك بعنق عمه وهو يقول سامحني أيها الوغد بعد أن قتلت أبي، بدأ العم يمسك بيد بطلنا ويحاول الإفلات، وهو يقول: لا تكن مثلي فتقتل البرئ بإثم المسئ.

هنا تدخل الرجل العجوز وهو يقول: دعنا نخرج من المستشفى ونتحدث بهدوء ونرى ما الذي حمل عمك على فعلته.

وهنا سمع صوتًا رقيقًا يقول: وأنا أيضا أعتذر منك وأرجو أن تسامحني فأنا رأيتك تتشاجر مع أخي لأمر أجهله كطفلة، ثم أفتح عيناي على خبر أن أخي قد مات وأنت تدعي كونك أخي فكيف كنت تريدني أن أصدقك؛ اجتمعت على بطلنا الهموم والأحداث دفعة واحدة؛ أمسك رأسه بين كفيه وهو يدور هنا وهناك عبر ممرات المستشفى ليجد يدًا تحتضن ذراعه وصوت يقول له: “هيا يا بني نفهم الأحداث خارج أسوار هذا المكان”، خرج كالمنوم مغناطيسيا يسير مع الشيخ وكأنه رجل آلي موجه عبر جهاز التحكم، جلسوا جميعا خارج المستشفى في حديقة صغيرة وأحضر العم بعض العصير والماء، لكن بطلنا كان يحدق في الشفق والشمس التي كانت تعلن الغروب هاربة وكأنها تحكي حاله، فهو الآن يريد الهروب من كل شيء إلى لا شيء. بدأ الشيخ يحدثه ويواسيه على مر الأيام، ثم بدأ العم يحكي  القصة بتفاصيل دقيقة تبين منها شدة ألمه وقسوة أسرته، وكيف أنه أصبح وحيدًا بعد أن رحل الجميع، بعد أن كانوا سببا في تعاسته بصمتهم عن الحق ومساعدة بعضهم على الباطل.

أخبره عمه أنه الآن لم يبقَ له من الأهل والأقارب سواه وهذه الطفلة التي تبلغ الثانية عشر من عمرها، أخبره أيضًا بشدة ندمه على الانتقام وأنه أفضل حالًا منه، لأنه لم ينتقم من أمه وزوجها بل تركهم وذهب بعيدا لينعم بحياته بعيدًا عنهم.

أخبره أيضًا أن هذه الطفلة هي الآن آنسة صغيرة بحاجة لمن يرعاها ويحميها، وأنه أصبح عجوزًا لا يستطيع رعايتها وحده، صرخ بطلنا فيه وقال لتذهب أنت وهي للجحيم لن أسامحكم ما حييت على تلك السنوات التي انصرمت من عمري خلف تلك القضبان الحديدية، لن أسامحك على ما فعلت بأبي وكونك أحد الأسباب التي أودت بحياته، كنت تعلم أني ابن شقيقك ومع ذلك زجيت بي في السجن دون أن يرمش لك جفن، استمعت لقول طفلة كانت كفيفة لم ترَ ولم تسمع لشهور، وكنت تعلم أن من يرعاها حينها أنا فقط، كنت تعلم أن ابن أخيك مات في حادث، ولو كنت حريصًا علي لاكتفيت بكونه مات إثر حادث أليم -وهذا الواقع- لكنك آثرت أن تقتلني كما قتلت والدي بسوء ظنك

وقبح عملك؛ لن أسامحك ما حييت، وستكون أنت الآن خلف القضبان كما فعلت بي سابقا ولكن أنا بحوزتي الدليل، ألم أقع المرة الأولى لأنني لم أحظَ بشاهد، الآن لدي الشهود ولدي الدليل القاطع على أنك القاتل لوالدي والمتسبب بموته، ثم التفت لابنة عمه وقال: وأنتِ أيتها الصغيرة سأعفو عنكِ حال شهدت على صحة أقوالي واعتراف عمنا بما فعل بأبوينا، قال الرجل المسن: وأنا كذلك معك شاهد، قال بطلنا وهذا هاتفي قد سجلت عليه كل شيء ليثبت أن عمي متورطا بوفاة والدي، هنا انهارت قوى العم وسقط أرضا، حُمِل للمستشفى وبقى هناك عشرة أيام تنازل عن ثروته كاملة خلالها لابن أخيه وكذلك عن تلك الشركة التي علم بطلنا فيما بعد أن ملكيتها تعود لوالده، وأعاد للصغيرة ممتلكاتها أيضًا، وجعل ابن عمها عليها وصيا حتي تبلغ سن الرشد، وفي اليوم الحادي عشر خرج العم من المستشفى، وحُكم عليه بالسجن المؤبد، لم يستطيع الصبر على  أجواء السجن الخانقة ونقل بعدها للمستشفى لتنتهى حياته هناك بعد صراع طويل مع المرض.

كبرت الصغيرة وهاجرت خارج البلاد وما زال بطلنا يقف بجوار النافذة وستائرها الحرير تداعب وجهه وهو في عالم آخر يبحث عن جواب لسؤاله: لماذا يا أمي  بعتِ ابنكِ بثمن بخس؟.. هنا سمع صوتًا رقيقًا  يوقظه من سباته يقول (سيدي أحضرت لك القهوة)؛ عاد لعالمه وتوجه لمكتبه، قال لها شكرا يا إيمان.

قالت إيمان: هل تسمح لي يا سيدي

قال لها: تفضلي

قالت: أنا أعمل لديك منذ سبعة أعوام وأراك دوما شاردا، كما أراك تراقب المارة من خلال هذه النافذة وكأنك تروي لهم رواية مؤلمة

قال لها: وهو كذلك إنني أرقب الناس من خلال هذه النافذة بشكل يومي لكن سرعان ما يتلاشى كل البشر إلا تلك التي تقبع في قلبي وتحتل كياني، تبقى ماثلة أمامي أسألها كل يوم ذات السؤال ولا أجد له جواب.. فماذا سأفعل؟ أما اليوم يا إيمان فإن سؤالك قد أغلق الستار على مشهد تلك النافذة التي مزقت قلبي ودفنته في مقابر الماضي.

استاذنته إيمان بالانصراف؛ خرجت، لكن سرعان ما عادت وهي تقول (هناك سيدة تريد أن تقابلك)

قال لها: دعيها تدخل.. وأخذ قلمه وبدأ توقيع بعض الأوراق. دخلت تلك االسيدة وألقت التحية، رد التحية وقال لها ماذا لديكِ؟ ومازال منحنيا على الأوراق.

قالت: ماذا أريد؟

تعجب من قولها ورفع راسه فإذا به أمام من كان ينتظر عودتها إليه طيلة تلك الأعوام والسنين، إنها هي أمه بشحمها ولحمها كاد يتهاوى على الأرض من شدة الصدمة، لكنه حبس تلك الكلمة في جوفه ثم تنحنح واعتدل في جلسته وقال: نعم سيدتي بماذا أخدمك؟

تفاجأت من ردة فعله وقالت: ألم تعرفني؟ ألا تتذكرني؟

قال لها: من أنتِ؟ لا أظن أنني رأيتك من قبل.

قالت: أنا أمك، هل نسيت أمك؟

قال ببرود: أمي.. يا له من اسم، إن هذا الأسم بتر من حياتي منذ اليوم الذي فضلت زوجها علي، استأصلتها من قلبي ودفنت جثمانها بجوار والدي الذي قتلته بجشعها، فهي لم تحبه يوما ولم تحب ابنها الذي جاء من صلبه، لذلك لا تقولي أمك، فأمي رحلت منذ زمن بعيد وشيعت جثمان حبها منذ سنين. والآن أيتها السيدة بماذا أخدمك؟

دخلت إيمان في هذه اللحظة، فقال: هيا يا سيدتي من فضلك بسرعة، فأنا سأخرج مع زوجتي إيمان للعشاء وليس لدي وقت؛ دُهشت إيمان مما يقول! ولكنه وقف بسرعه وتوجه لإيمان وإيمان تحدق بدهشة غير مستوعبة لما يحدث من حولها، أمسك بيد إيمان وقال: (هيا بنا عزيزتي)، كانت إيمان تسير مشلولة الإرادة، حملت حقيبتها بشكل آلي وسارت ويدها في يده وخرج من الشركة، خرجت أمه خلفه وهي تراه يغادر بصحبة تلك الفاتنة واستقل تلك السيارة الفارهة، هنا علمت أنها خسرت ابنها للأبد، وأنها قد باعته منذ زمن بثمن بخس، عادت أدراجها لذلك العش المتهالك الذي هجرتة طيوره واستقلت في أعشاشها، عادت لعشها الذي تسكنه الوحدة وتفوح منه رائحة ذلك الغراب البشع  الذي لم يبقَ لها سواه.

بكت حزنا على صغيرها الذي كانت تعامله معاملة ابن البطة السوداء، عرفت الحقيقة الآن وأنها كانت أسوأ أم وأسوأ زوجة، عاملت الابن الطيب كما عاملت أبيه من قبل، فهجرتهم لقلة مالهم وضعف سلطانهم ونسيت أن أجمل ثروة هي قلب نابض بالحب والعطف والرحمة؛ هنا أجهشت الأم بالبكاء ندمًا وحسرة، أما بطلنا فقد أسدل الستار على نافذة الزمن، وأوقد شموع الأمل بصحبة من اختارها قلبه منذ سبعة أعوام خلت، حينما انضمت للعمل لديه، كانت رحيمة عطوفة تسعى من أجل تأمين لقمة عيش كريمة لها ولأسرتها، وقد وضعها تحت عناوين كثيرة لاختبار مهارتها في الإيثار، فوجد أنها نسخة كربونية منه في صورة جميلة فاتنة، كانت مصدر النور في حياته وشعاع الأمل.

عاش بطلنا مع إيمان أعواما مديدة، كانت خلال تلك الأعوام تضمد جراح الماضي الأليم، ورُزق منها بأبناء وبنات عاشوا جميعًا معنى الأسرة والعائلة بحق.

انتهت.

بقلم/ موضي المطيري – القيصومة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى