إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

حديقة الحي

جلست خلود على الكرسي تتأمل حديقه الحي، اللون الأخضر يغطي أرض الحديقة ورائحة المطر تنبعث في الأرجاء، الأطفال يلعبون بالأرجوحة، ومجموعه من النساء يفترشن أرض الحديقة ويضعن فناجين القهوة وأطباق التمر والحلوى على البساط الذي يجلسن عليه والبعض الآخر يجلسن على الكراسي المتناثرة هنا وهناك حول سور الحديقة.

كان كل شيء هاديء، الجو الشتوي يزيد المكان جمالًا وبهجة، النسمات الباردة تداعب أوراق الأشجار. أخرجت خلود دفترًا صغيرًا وأخذت تدون بعض العبارات بداخله، أغلقت الدفتر وأعادته إلى حقيبتها، شعرت بالنعاس ولكنها حاولت أن تقاوم هذه الرغبة، فتحت حقيبتها فلم تجد محفظتها (يا الله لقد نسيت محفظتي)؛ أغلقت الحقيبة وعادت تتأمل المكان.

كانت النساء القريبات من خلود يضحكن بصوتٍ عالٍ جدًّا، وكانت تبدو عليهن السعادة والسرور؛ تمنت وقتها أن تتعرف عليهن وتشاركهن الضحك، فمنذ زمن طويل اعتزلت المجتمع؛ عاشت للوظيفة فقط، كان كل ما تفكر فيه هو تطبيق الأنظمة والقوانين بلا رحمة، بل إنها وجدت السعادة في عمل ذلك دون الاهتمام بالآخرين وما تسببه لهم من أذى، غير مقدرة لظروفهم، كانت تردد (أنا أطبق النظام)؛ كثيرًا ما قالوا لها إن النظام وُجِد لصالح البشر، حتى لا يكون هناك تلاعب، ولكنها تصم أذنيها عن ذلك.

لقد تغير كل شيء، فحتى الوظيفة التي أحبتها أكثر من حياتها وفضلتها على الزوج والأطفال قد تخلت عنها.

“لقد كبرتِ” هكذا قيل لها، “ولكني قوية ولدي الرغبه بالعمل” هكذا قالت، ولكن الجميع لا يرغب بوجودها، الجميع سعيد برحيلها عنهم؛ أحسّت بالألم يعتصر قلبها وهي تتذكر ذلك، توقفت عن التفكير وقامت من مكانها تتجول في الحديقة، سرعان ما شعرت بالملل وعادت إلى كرسيها، شعرت بأن النعاس سوف يطبق على عينيها.

(ماذا لو غفوت قليلًا) هكذا فكرت ولكن المكان لم يكن ملائمًا، لذلك طردت هذه الفكرة من رأسها، وقررت أن تطلب من النساء القريبات منها فنجانًا من القهوة؛ اتجهت إليهن:

– السلام عليكن

— وعليكم السلام

– بعد إذنكم.. أبغى فنجان قهوة.. الريحة جابتني

قالتها وهي تضحك

صبت إحدى النساء الفنجان ومدته إليها

— تفضلي

– شكرًا

جلست خلود على البساط بالقرب منهن وهي تضحك

– أقدر اجلس معكم

— خلاص جلستي!

ابتسمت خلود بخجل، لم تعلم لماذا تصرفت هكذا رغم أنها لم تعتد على الاقتراب من الغرباء، هل هو الشوق للحديث مع الناس أم الفضول في معرفة سبب سعادتهن؟ ارتشفت فنجان القهوة بحذر، كانت النساء تنظر إليها بخوف، الجميع صامت، ينتظر أن تشرب فنجان قهوتها وتنصرف.. أحسَّت خلود بأن الجميع لا يرغب بوجودها بينهم، لذلك قررت أن تكشف لهن عن نفسها، ظنت أنها إن فعلت ذلك سوف تجد الاحترام والتقدير منهن ولكنها لم تجد منهن أي اهتمام لما تقول؛ شعرت بالخجل الشديد وتمنت لو أنها لم تجلس معهن. الجميع يحدق بها بغضب، انتهت من شرب الفنجان، لم تعلم ماذا عليها أن تقول لهن، شعرت بحزن ورغبة شديدة بالبكاء ولكنها قاومت ذلك، وضعت فنجان القهوة وشكرتهن ثم قامت إلى كرسيها وصوت ضحك النساء يزاد علوًّا، كانت تعلم جيدًا سبب ضحكهن، لذلك قررت العودة إلى منزلها، أمسكت بحقيبتها بقوة ثم سارت بسرعة نحو الخارج، وأصوات ضحك النساء تنطلق بقوة خارج أسوار الحديقة.

تمت

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى