إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

عبق عابر للقارات

يعد شراء النعناع في طريق السفر، برًّا كان أم جوًّا، بأنواعه المتعددة، ونكهاته المميزة، عادة لطيفة متكررة عند أهل المدينة المنورة على وجه الخصوص. فأي هدية أجمل لسكان المناطق المجاورة، وخاصة لأحبابنا وأقاربنا وأصدقائنا العاشقين للشاي المنكه بعبق النعناع المديني، أو الدوش، أو العطرة، أو اللمام، أو النوامي، أو بتلات من الورد الطايفي مغمورة في ذلك السائل القرمزي اللذيذ، المحكور والدافيء، ليتحلقوا حوله، ويتبادلوا أثناء شربه الحكايات والضحكات، ويستحضروا آخر الأخبار والذكريات.

إن اللحظة التي يدخل فيها كيس النعناع البلاستيكي الشفاف إلى السيارة بعد شرائه، بحزمه المتراصة، وسيقان أغصان النعناع المعقودة، قبل الرحلة المرتقبة، هي لحظة ذات طابع سريالي ساحر؛ فشذا الزيوت العطرية يتسابق لعبور أنوفنا عازفًا لحنًا متناغمًا، وهو يتسلل إلى حويصلاتنا الرئوية عبر شهيق وزفير، ناقلاً معه ذرات عبيره الفاتنة، لنتخيل بأننا نتجول بين أرجاء الحقول الخضراء الخلابة المغطاة بتلك النباتات العطرية الرائعة.

حديثي هنا سيتمحور حول أهمية تلك الكنوز الطبيعية العظيمة في بلادنا، وكيف ننقل هذه الهدية الربانية، والتجربة الحصرية لخارج الحدود الجغرافية؟، ولكن هل أستهل حديثي بسرد شامل لتاريخ استخدام النباتات العطرية عبر الأزمنة والعصور؟ أم يجب عليّ أن أتحدث بإسهاب عن الدراسات والأبحاث الطبية التي تثبت فاعلية استخدام مستخلصات النباتات العطرية وزيوتها في تخفيف ما يعترض الإنسان من سقم أو كدر؟

في الحقيقة لن أفعل هذا ولا ذاك. سأصب تركيزي في هذا المقال على فكرة لاحت في خاطري، واستقرت في نفسي، لعلها تتحول يومًا لواقع يثلج الصدور، ويجلب معه الخير الوفير.. سأسهب الحديث عن كنز من كنوز أرضنا السعودية، وثروة من ثرواتها الوفيرة، والذي نستطيع بروعة عبقه عبور القلوب في جميع القارات. التجول في المركز التجاري الموجود في مدينتي هو أمر أقوم به مرة كل شهر تقريبا، وخاصة إذا أردت شراء منتج لا يمكنني اختياره من خلال التطبيق الموجود على شاشة الهاتف النقال؛ لأنني بكل بساطة في حاجة إلى لمسه أو شمه؛ للتأكد من جودته وملاءمته لمتطلباتي الشخصية قبل شرائه. ومن تلك المنتجات الشموع العطرية والتي لا يكاد يخلو منها منزل في الآونة الأخيرة.. بل أكاد أجزم أنها متطلب أيضًا لأصحاب منتجعات الاسترخاء، وصالونات التجميل، وبعض مكاتب الموظفين والموظفات والفنادق وغيرها من الأماكن التي تهتم برائحة المكان ومنظره الجمالي العام.

دخلت متجري المفضل خلال إحدى تلك الزيارات لشراء بعض الشموع، وهو متجر معروف ذو علامة تجارية شهيرة، حيث تنتشر فروعه في العديد من المدن محليًّا ودوليًّا. يتميز هذا المتجر بتقديم مختلف منتجات العناية الشخصية بمختلف الروائح العطرية الجذابة ذات الجودة العالية، وبأسعارٍ معقولةٍ، جذبت إليه العديد من الزبائن الدائمين، والمستهلكين المخلصين، وجعلت قيمته السوقية تصل إلى قرابة عشرة مليار دولار خلال عام ٢٠٢٢م.

نقطة التميز في هذا المتجر هو شموعه العطرية المميزة والتي لا تقتصر على نشر شذا خليط من الروائح الزكية في الأرجاء فقط، بل يقدم ثقافة بلاده بطريقة مبتكرة، فيسمي شمعة باسم (مارشميلو من جانب المدفأة) أو (فطيرة التوت الأزرق) أو (شروق أمام البحيرة) وغيرها من الأسماء الجميلة التي تسوق لثقافة ومكان وتجربة. ولقد اكتشفت عبر البحث والاستطلاع وزيارة موقع المتجر الرسمي بأن هذا المتجر ينتج شموعًا لكل مناسبة اجتماعية وفصل من الفصول الموسمية، والتي تصف بدورها أهم ما يميز كل فترة منها، بل وصل بهم الأمر لأبعد من ذلك، فلقد وجدت شموع يدعمون من خلالها قضايا تهم الرأي العام في بلادهم كيوم الاستقلال على سبيل المثال.

إنه مستوى من الإبداع يستحق منا -بلا شك- الإعجاب والتقدير، لكن السؤال الأهم:

لماذا لا نجد منتج محلي بهذه المواصفات؟

أتمنى أن أقتني شمعة عطرية في المستقبل القريب تنقلني بشذاها العذب لمطبخ جدتي -رحمها الله- لأشم رائحة المعمول الطازج، والذي اختلطت فيه رائحة التمر والشمر والسمن اللذيذ، أو شمعة برائحة حمضيات العلا كالترنج والبرتقال لأنتقل معها وأتجول بين مزارعها الخصبة، أو شمعة ثالثة بعبير ريحان عسير، أو كادي وورد الطائف، أو قهوة نجد المشبعة برائحة الهيل والقرنفل المميزة وغيرها من الروائح الجميلة التي تنتشر في كل منطقة من مناطق وطننا الفسيح الأرجاء.. ولك أن تتخيل عظم أثر هذه الشمعة لو اقتناها سائح أو زائر، أو لو وصلنا بها للدول الأخرى المجاورة.

وهنا وجب الإشادة بما وصلت إليه صناعة العطور في مملكتنا الحبيبة خلال الأعوام القليلة الماضية، فلقد شهدنا مؤخرًا ازدهارًا عظيمًا في هذا القطاع من خلال إقامة معارض العطور في مختلف المناطق، والتقدم المثير للإعجاب في صناعتها وتسويقها.

ونقلاً عن مجلة رواد الأعمال، والتي نشرت مقالاً العام الماضي وذكرت فيه بأن حجم سوق العطور بالخليج قد بلغ ٧.٢ مليار دولار وتتصدره المملكة العربية السعودية، وبلغ حجمه عالميًا ٥٣ مليار دولار، ويتوقع أن يصل إلى نحو ٧٢ مليار دولار بنهاية ٢٠٢٤م، وذلك بحسب بحث لشركة “يورومونيتور إنترناشيونال”.

وبالنظر إلى الشمعة وتأمل تركيبها، نجد أن العنصر الثاني المهم في إنتاجها بعد الزيوت العطرية -بمواصفات محددة تتلاءم مع عملية الاحتراق- هو الشمع الخام، ويعد شمع البارافين المستخرج من النفط، والذي تعد مملكتنا أحد الدول المنتجة والمصدرة له هو الأكثر استخدامًا في إنتاج الشموع بشتى أنواعها.. ويليه الشمع المستخرج من مصادر طبيعية مثل فول الصويا، والنخيل، وكذلك شمع النحل.

وأخيرًا.. الفتيل والقالب اللذان يعطيان الشمعة شكلها النهائي، وهنا يأتي دور المصمم المبدع الذي يستطيع خلق تحفة فنية مضيئة تسر الناظرين.

وبعيدًا عن الإنتاج الضخم ذو التكلفة العالية، شهدنا العديد من الأسر السعودية المنتجة يحترفن صناعة الشموع المعطرة في منازلهم باستخدام الأدوات اللازمة، والخامات الضرورية، ويتنافسن في إنتاجها بتصاميم متعددة ترضي جميع الأذواق، وبإتقان مثير للإعجاب، بل إن البعض منهن يقدمنه كمنتج طبيعي صديق للبيئة باستخدام الشمع الطبيعي المصدر، والقوالب الخشبية المميزة.

ورغم كل ذلك الحماس لمشروع استثمار النبات العطري المحلي، وتحويله لمنتج عالمي، أود استحضار قول الله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) سورة الأعراف/ الآية ٣١. فالمبالغة في استخدام الشموع العطرية، كالمبالغة في استهلاك أي شيء آخر، له تبعاته وآثاره السلبية.

ومن هذا المنطلق تقول جمعية الشموع الوطنية في مقال نشرته (ذا نيويورك تايمز) عام ٢٠٢١م بأنه إذا أراد الناس تقليل كمية السخام المنطلق في الهواء والذي قد يضر بصحة المستهلك، فيجب عليهم حرق الشموع في مناطق جيدة التهوية، والحفاظ على الفتائل مقطوعة إلى حوالي ٤/١ بوصة، والتأكد من أن بِركْة الشمع خالية من الحطام. كما ذكرت بأن شمع البارافين يُصنع من المنتجات البترولية الثانوية، لذلك إذا كنت قلقًا بشأن البيئة، ففكر في استخدام شمع الصويا أو شمع العسل بدلاً من ذلك. ثبت أيضًا أن شمع الصويا تنتج سخامًا أقل من شمع البارافين، وقد يكون بعض الأشخاص بما في ذلك المصابون بالربو، لديهم حساسية تجاه بعض العطور. كما حذروا قائلين “إذا لاحظت تهيجًا عند حرق الشموع المعطرة، مثل سيلان الأنف أو العطس، فقد ترغب في التوقف أو حرق الشموع غير المعطرة بدلاً من ذلك”.

السؤال التالي والأخير هو: ما الهدف من مشاركة هذه الأفكار والتطلعات والتوقعات؟ يقول توماس أديسون رجل الأعمال والمخترع المشهور: “قيمة الفكرة تعتمد على استعمالها”. وهذا يقودني للقول بأن جزءًا من قيمة الأفكار هو مشاركتها، وتحويلها لكلمات معبرة، وجملاً وتراكيب مفصلة، وعبارات ملهمة، لعلها تجد طريقها لأصحاب النفوس التواقة للنجاح، والارتقاء بالإنسان والوطن والعالم.

بقلم/ مروة الأماسي

مقالات ذات صلة

‫21 تعليقات

  1. بصراحه وجدت في هاذا المقال افكار لامست وجداننا ومشاعرنا مختلطه بعاداتنا في السفر اللاشعوريه مع تركير على خق مشروع في الاستفادة منها كمشاروع عمل
    مقال رائع وجذاب في الفكره واسلوب الطرح

  2. شممت رائحة الشموع الرائعة من بين السطور 🕯️
    فكرة الشموع المستخلصة من طبيعة بلادنا الحبيبة و السخية و الزاخرة و المتنوعة فكرة جداً رائعة و تحتاج مستثمر تواق للافكار الجديدة و الملهمة و الربح ان شاء الله …
    كل الشكر للكاتبة مروة على المقال الذي يحتوي على الصورة و الرائحة و الاحساس 🤍

  3. حبيت فكرة الشموع المستوحاة من بلدنا
    صراحه انا من عشاق راحة النعناع بأنواعه والقهوة العربية
    طرح جميل ياليت نجده قريبا على ارض الواقع
    احسنت الاختيار 👌🏽👌🏽

  4. حبيت فكرة الشموع المستوحاة من بلدنا
    صراحه انا من عشاق راحة النعناع بأنواعه والقهوة العربية
    طرح جميل ياليت نجده قريبا على ارض الواقع
    احسنت الاختيار 👌🏽👌🏽

  5. ان تجمع اجمل روائح العالم في قالب شمعة نستطيع حملها اينما ذهبنا او سافرنا وحين نشعلها و نحن نتحدث عن ذكرى باتت في الأمس جميلة ،يفوح عطرها من فوح الشمعة
    بورك في قلمك صديقتي مروه
    نورا عويضة

  6. مقال رائع بروعتك مروة الأماسي، أعجبتني الفكرة ودعم مقالك بالدراسات والاحصائيات والمقولات
    استمري فأنت مبدعة بلا مجاملة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى