التاريخ يتحدثتاريخ ومعــالم

#محمد الفاتح وفتح القسطنطينية

#وُلد محمّد الفاتح عام 1429م، لأبيه السلطان مراد الثاني، في مدينة أردنة التي كانت عاصمة الدولة العثمانيّة آنذاك، وعندما بلغ الحادية عشرة من عمره، بعثه والده إلى أماسيا ليحكمها في عهده، كما كانت العادة في الدولة العثمانيّة، حتى يتعلّم محمد الفاتح الحكم طفلاً، ويتربّى على تعاليم الإسلام، والقرآن الكريم عن طريق المعلّمين الذين بعثه إليهم والده، فتعلّم على يدي الشيخ آق شمس الدين، حتى إنّ شيخه استطاع أن يزرع فيه قناعةً أنّه هو المقصود بحديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كما يروي بشر الغنوي فيقول: سمعت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: (لتُفتحنّ القسطنطينية، ولنِعم الأمير أميرها، ولنِعم الجيش ذلك الجيش)، وكان لذلك أثر كبير في تكوين وصقل شخصيّة محمّد الفاتح.
اقرأ المزيد من صحيفة هتون الدولية

انتهج محمد الفاتح المنهج الذي سار عليه أجداده في الفتوحات، ولقد برز بعد توليه السلطة بقيامه بإعادة تنظيم إدارات الدولة المختلفة، واهتم كثيرًا بالأمور المالية فعمل على تحديد موارد الدولة وطرق الصرف منها بشكل يمنع الإسراف والبذخ أو الترف. وكذلك ركز على تطوير كتائب الجيش وأعاد تنظيمها ووضع سجلات خاصة بالجند، وزاد من مرتباتهم وأمدهم بأحدث الأسلحة المتوفرة في ذلك العصر.

وعمل على تطوير إدارة الأقاليم وأقر بعض الولاة السابقين في أقاليمهم وعزل من ظهر منه تقصيرًا أو إهمال وطور البلاط السلطاني وأمدهم بالخبرات الإدارية والعسكرية الجيدة مما ساهم في استقرار الدولة والتقدم إلى الإمام وبعد أن قطع أشواطًا مثمرة في الإصلاح الداخلي تطلع إلى المناطق المسيحية في أوروبا لفتحها ونشر الإسلام فيها، ولقد ساعدته عوامل عدة في تحقيق أهدافه، منها الضعف الذي وصلت إليه الإمبراطورية البيزنطية بسبب المنازعات مع الدول الأوروبية الأخرى، وكذلك بسبب الخلافات الداخلية التي عمت جميع مناطقها ومدنها ولم يكتف السلطان محمد بذلك بل إنه عمل بجد من أجل أن يتوج انتصاراته بفتح القسطنطينية عاصمة الامبراطورية البيزنطية، والمعقل الاستراتيجي الهام للتحركات الغربية الصليبية ضد العالم الإسلامي لفترة طويلة من الزمن.

انطلاق فتح القسطنطينية

بدأ الجيش الإسلامي بقيادة السلطان محمد الفاتح بالتحرك نحو القسطنطينية برّاً وبحراً، وبدأ الحصار الفعليّ للقسطنطينية بتاريخ 6/4/1453 م، في ذلك الوقت طلب السلطان من قسطنطين الحادي عشر، تسليم المدينة للمسلمين، على أن يحفظ على سكّانها أرواحهم ومعتقداتهم وممتلكاتهم، لكن قسطنطين رفض ذلك.

حاول قسطنطين ثني السلطان عن نيّته بفتح القسطنطينية مقابل العهد بعدم التعرّض لجيشه لأيٍ من المسلمين، لكن السلطان رفض رفضاً قاطعاً، ولما اشتدّ الأمر وأيقن قسطنطين بأنّ نهايته قد حانت، أغلق أبواب المدينة، وتحصّن فيها هو وجنوده، وكانوا أربعين ألفاً كما تذكر الروايات التركية، فبدأت مدفعيات الجيش الإسلامي تدكّ حصون القلعة، وتُحدث فيها دماراً هائلاً، وبدأت السفن تتقدّم نحو الموانئ لاختراق الحصون، لكنّهم لم يفلحوا في اجتيازها وصارت هناك ملحمةٌ عظيمةٌ هي معركة غَلَطة البحرية، فهُزم فيها الجيش الإسلامي، وخسر جزءاً من أسطوله البحريّ.

كان التحدي الأكبر الذي واجه الجيش الإسلامي هو نقل السفن من ميناء البسفور إلى ميناء القرن الذهبي؛ لتمكين الحصار على القلعة، فابتكر المسلمون وقتها طريقة عبقريّة تقضي بجرّ السفن على اليابسة عن طريق جبل مجاور لإيصالها إلى ميناء القرن الذهبي، واستطاع الجيش تحقيق هذه الخطة المذهلة، فوصلت سبعون سفينة إسلامية إلى الميناء، وعلى الرغم من كلّ المحاولات من جيش القسطنطينية للهجوم على الأسطول الإسلامي، إلّا أنّ القيادة العثمانية وبفعل العمل الاستخباراتي القوي الذي تمكنت من إنجازه داخل القسطنطينية، استطاعت إحباط كلّ المحاولات، ثمّ توالى ضرب المدفعيّة أياماً، واستطاع الجند المسلمون أن يدخلوا ويتدفّقوا إلى داخل الحصون ويقاتلوا ببسالة حتى أتمّ الله عليهم الفتح.

توفي القائد السلطان محمد الفاتح بين جيشه في الخامس من ربيع الأول، عام 886 للهجرة، وكانت وفاته ليلة جمعة، ويُذكر أنّ وفاة هذا القائد العظيم تدلّ على علو همته وحبه للجهاد، فقد وافته المنيّة بين جنده أثناء خروجه بالجيش، على الرغم من المرض الذي كان قد ألمّ به قبل خروجه بأيّام، والذي بقي يشتدّ عليه حتى توفي، كما يُعتقد أنّه كان يستعد للخروج بالجيش إلى إيطاليا ليفتحها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى