إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

عنفوان

بعد أول رشفة من القهوة تحولت نظراتها إليها، كانت مبتسمة وجميلة، تجلس على الكرسي بارتياح، أكتافها منبسطة، تتبادل الأحاديث مع هذا وذاك بالمقهى، ثم تطأطئ رأسها؛ ولم أعد أراها بوضوح من جموع الناس التي تتجول على السيراميك بحذر، فالرذاذ جعل الأرضية زلقة، فلا بد أن تكون الحركة ثقيلة وبحرص، خاصة أن الواجهة مكشوفة تطل على البحر، ذلك السجاد الأزرق الهائج، فهذا الصيف يجعله مرتفع المد تلطم أمواجه الأرض بقوة فعول، صوته مخيف جائع ينتظر الوليمة، بزبده يترك أثرا على الرمال ينذر بالخطر وعدم الاقتراب. كان صوت شاشة التلفاز الكبيرة ينذر بعاصفة هوجاء والحذر من هيجان البحر، لا أحد منصت، مشغولون بجمال الجو ورذاذه وحركة الناس الدؤوبة وضوضائها بالخارج على شاطئ البحر.

الكل من حولها يرفع هاتفه للتصوير وبجانبها طاولة أخرى تعيق اتصالها بتلك الفتاة، وهناك من يحرك هاتفه وجسده ويتحدث سلفي أو ما يسمى السناب، ومجموعة من الفتيات يتخذن زاوية بقرب فتاتها وما كاد يجلسن إلا والنادل المهندم حضر بصينية إفطارهن يبدو أنها طلبية مسبقة منهن للمطعم، أعمارهن في عمر الزهور؛ ربما صحبة دراسية قديمة.

التفتت للبحر لتتأكد مما التقطته أذناها حديث نفسي:

نعم.. البحر وكأني أراه مرتفعًا قليلا، ولكن الوضع لا يوحي بشيء.. كل شي كما هو، وابتسمت فما زال ذو السناب يحمل هاتفه يكمل تصويره.

ما لفت نظرها رجل اتخذ لنفسه زاوية للصمت ممددا رجليه على الكرسي، يتأمل بصمت صراع البحر وهوجه وبين هذه الجموع ازداد فضولها لمراقبة تلك الفتاة التى ما زالت تدنو برأسها للكتابة، ماذا تكتب يا ترى؟

رجعت بنظرها إلى البحر ولكنه لم يمحُ ملامح تلك الفتاة عنها؛ فانتابتها فكرة الوقوف والمشي إليها، وفجأة تجدها تقف؛ عيناها تتوجه نحوها تحمل كتابا بل بضعة كتب توزعها هنا وهناك، وكأنها بحركتها تلك تتحدى شيئًا ما بنفسها، الممنوع المرغوب وربما شيء في محتوى الكتاب يحمل عنفوانها وشيء مدفون تود إفراغه، ترسل رسالة تشفيرية، وها هي خطواتها تقترب مني، لا أدري لماذا أُصبت برعشة لقربها! أخمدتها ابتسامتها المشرقة وقالت:

– تفضلي

— أهُوَ لي؟!

– نعم.. عليه إهدائي

نكست رأسها للكتاب وفجأة لا تدري ماذا حدث، سمعت نداء استغاثة؛ التفتت جهة اليمين، اتسعت عيناها، ازدادت سرعة دقات قلبها وهي ترى الناس مهرولين ينظرون من شرفة المطعم العريضة للأسفل، وضعت يدها على فمها من هول المفاجأة، صدق حدسها، الشاب الذي يصور السناب انزلق على أثر عاصفة شديدة هبت فجأة بدون إنذار ودفعته للأسفل لقربه من الشرفة، تحسرت وتأثرت من أولئك الذين لديهم حب التصوير حتى في أصعب المواقف وأهلكها، ثم دنا صوت منها يقول: الحمد لله.

التفتت إليه بغرابة واستنكار، وتساءل: لماذا يحمد الله؟! ما زالت مذهولة، تمنيت أن أكون سوبرمان وأطير وأنقذ الشاب، سويعات وبدأ الزحام بالتلاشي ولمحت ذلك الشاب ملقى ع الأرض وقد استعاد أنفاسه فقد استطاع أحد الرجال الإمساك به ورفعه للأعلى بسرعة، كان متدثرًا ببطانية، مرتجفًا من هول ما حدث له، ارتخت عضلاته، وأدركت معنى الحمد لله.

استجمعت شتات نفسها وتذكرت الكتاب وفتاتها.. نظرت إلى عنوان الكتاب، يحمل عنوان” شعبنا والثورة” رفعت رأسها لم تجدها؛ اختفت بين الزحام.

بقلم/ وداد الإسطنبولي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى