إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

سحر الفرشاة والألوان

تجربة زيارة معرض فني هي رحلة انبهار ودهشة مستمرة. جولة استثنائية نقوم بها في أروقة المكان؛ لمشاهدة إبداع من نوع خاص. حكاية تُرجمت بلغة الألوان، وضربات فرشاة الفنان؛ لتروي لنا عبر تفاصيلها الصريحة أو المبهمة قصة إنسان، أو مشهد تاريخي، أو فكرة عابرة، أو ربما منظر طبيعي خلاب زاره الرسّام يومًا ما، أو رسمه من مخيلته.

أستطيع القول بأن أول معرض قمت بزيارته في حياتي هو معرض (بينالي الدرعية) في العاصمة الرياض، والذي أقيم في ختام عام ٢٠٢١م. وللتوضيح فإن كلمة (بينالي) هي كلمة إيطالية الأصل وتعني (معرض دوري يقام كل عامين). ويعد بينالي الدرعية أول معرض بينالي دولي يكشف عن جوهر الفنون السعودية المعاصرة بمختلف أشكالها، والذي ضم ستة أقسام زاخرة بأعمال فنية من إبداع ما يقارب 70 فنانًا عالميًّا ومحليًّا، وذلك بحسب خبر نقلته جريدة الرياض والتي صدرت في أواخر ذلك العام. خلال تلك الزيارة غمرتني مشاعر مختلطة: شعور فرح يشوبه بعض الحسرة، سرور غامر بجمال القطع الفنية، واللوحات المعلقة بأحجامها المختلفة ومضامينها المتنوعة، واستمتاع تام بكل تفاصيل التنظيم وإحسان التنسيق، مع الشعور بالندم على ما فات من سنوات عمري والتي لم يتسنَّ لي خلالها حضور أمثال هذا المهرجان الإبداعي.. ولكن على الرغم من ذلك غادرت المكان بطاقةٍ إيجابية ألهمتني ممارسة الرسم والتلوين بين الحين والآخر، والتي أعدُّها إحدى هواياتي المفضلة، التي أستعين بها أحيانًا على تفريغ مشاعري السلبية المتراكمة من ضغوطات الحياة، وتحويلها لرسوم جميلة زاهية، أو قاتمة مظلمة، معبرة بذلك التنوع عن تقلباتي المزاجية في كل مرة.

وهذا يقودني للتساؤل عن أثر الرسم والتلوين علينا نحن البشر، وما الذي دفع الإنسان الأول للنقش على الصخور، والتعبير عن نفسه ومحيطه بلغة الرموز والأشكال؟ هل كان الرسم للتوثيق فقط، أم هو وصفة علاجية أزلية للأرواح التائهة؟

إذا عدنا بالزمن إلى الوراء، وانتقلنا إلى العصور البدائية الأولى، وما قبل التاريخ، لوجدنا الإنسان القديم رسَم قبل أن يعرف الكتابة، فترك على جدران كهوف العصر الحجري رسومًا نفذها بدافع فطري كرغبة ملحة في تسجيل حياته اليومية، وتوصل منذ عصور سحيقة إلى نوعيات من الرسم تضمّنت فكرًا وتعبيرًا، هذا ما ورد في مقال في جريدة الرياض نُشر عام ٢٠١٣م، وذُكر فيه كذلك بأن الطاقة الإبداعية عند الإنسان الأول لا تختلف كثيرًا عن الفنان اليوم، فكلاهما يريد كشف حقيقة الأشياء حوله، وإماطة اللثام عن حالته الوجدانية.

وللتعرف أكثر عن ارتباط الفن بروح الإنسان وجوهره، يمكننا الاطلاع على ما ورد في كتاب “الفن كعلاج”، فلقد أجاب مؤرخ الفن “جون أرمستورنج” مع الفيلسوف “آلان دو بوتون” على مثل هذه الأسئلة، وقد تمركز طرحهما حول الغرض الرئيس من الفن، وهو تعويضنا عن الشعور بالنقص النفسي، وإسكات هواجس عدم الكمال، فالفن أداة معقدة تملك إمكانية توسيع قدراتنا وتعزيزها، وإعادة التوازن إلى حياتنا، وتقديرها بشكل عام، وذلك نقلًا عن ملخص للكتاب في مقال نُشر في جريدة الجزيرة، وتحديدًا الصادر عام ٢٠١٧م، وأضافا مؤلفا الكتاب قائلين: “إن الفن يمنحنا الشعور بالأمل رغم كل ما نخوضه من مشكلات، لأن الألم والمعاناة هما جزء أساسي من تجربة الوجود، كما يمنحنا السلوىٰ وذلك من خلال تأمل لوحة تعبر عن شخص آخر يشاطرنا آلامنا؛ خصوصا في ظل مجتمع لا يساعدنا على التعبير”. لقد أثار المقال حماستي حقيقةً لإضافة الكتاب إلى قائمة ما أنوي قراءته مستقبلا، فالكاتبان ذكرا عددًا من اللوحات الشهيرة كأمثلة، وشرحا بالتفصيل أثر كل عمل فني على المتأمِّل من وجهة نظر فلسفية راقية.

لنتخيل معًا تلك المساحة البيضاء (الكانڤاس) كما درجت تسميتها ماثلة أمامنا على حامل خشبي، وفي يدنا اليمنى فرشاة، وفي اليسرى نحمل لوحةَ مزج الألوان، وطُلب منا وصف مشاعرنا، أو التعبير بالألوان والأشكال عن مكنونات قلوبنا، فبماذا سنملأ ذلك الفراغ يا تُرى؟، وماذا سنرسم؟، والأهم من ذلك بماذا سنشعر؟. إنها بلا شك تجربة فريدة، ساعدت الكثيرين على تخطي الأوقات الصعبة، أمثال الحجْر المنزلي خلال الجائحة، فلقد شهدنا في تلك الفترة توجه الكثير منّا إلى ممارسة الحِرَف والفنون بشتى أنواعها كمحاولة للتأقلم مع مشاعرنا المحاصَرة، وقلقِنا المستمر على أنفسنا وأحبائنا، مع وجود وقت فراغ طويل تواصلنا فيه مع ذواتنا المنسيّة، واستعدنا مهاراتنا المدفونة تحت ركام إيقاع الحياة السريع ومتطلباتها اللانهائية.

لكن هل الجميع يستطيع أن يرسم، أم أن البعض فقط يمتلك تلك الموهبة؟، والأهم من ذلك.. هل يمكن للفرد العادي إتقان الرسم بالتعلم والتدريب؟.

للإجابة على هذه الأسئلة يمكننا مشاهدة البرنامج التلفزيوني الشهير

“The Joy of Painting”متعة الرسم

والذي كان يقدمه المدرب الرسام (روب روس)، وبُث خلال حقبة الثمانينات، وتضمنت سلسلة برنامج الرسام الشهير أكثر من ثلاثمائة حلقة!. المميَّز في هذا الفنان المبهر ليس فقط مهارة الرسم السريع والذي لا يتجاوز النصف ساعة لإنهاء لوحة متكاملة بالألوان الزيتية، ولا إتقانه لأدق التفاصيل عند رسمه المناظر الطبيعة الخلاّبة من حوله، بل هو حديثه الهامس، وتشجيعه الرقيق، والذي أشبه ما يكون بجلسة علاجية نفسية تخفِّف من رهبة التجربة، وتزيد من ثقة المُشاهد بنفسه، وترفع معنوياته المحبَطة، لترتقي بالتجربة ككل إلى مستوى أعلى من مجرد حصة رسم.

ومن خلال مشاهدتي لفيلم وثائقي يتحدث بشكل مفصَّل عن سيرة هذا الرجل المبدع اتضح بأن العديد من المتابعين والمتابعات بمختلف أعمارهم وظروفهم الحياتية والنفسية قد نجحوا في تطبيق خطواته، ورسم لوحات جميلة ومتقَنة، إلى جانب تحسن حالتهم الذهنية والنفسية بشكل مذهل.

من العبارات المتكررة على لسان (روب) والتي استخدمها مرارًا كتوقيع خاص، أو كختمٍ مطبوع يُميِّز نمط تدريبه المتفرّد قوله: “لا توجد أخطاء فقط حوادث سعيدة”، وأيضًا: “تستطيع أن تحقّق أي شيء في عالمك”، وأخيرًا وليس آخرًا قوله: “نريد لوحات سعيدة.. لوحات سعيدة دومًا.. إذا كنت تريد أشياء حزينة شاهد نشرة الأخبار”.

فخلال الثلاثين دقيقة استطاع (روبرت روس) رمي عصفورين بحجر -كما يقال- (تعليم مهارة جديدة من خلال الوصف الدقيق لخطوات تنفيذ اللوحة، وشحنَ المتلقي بطاقةٍ إيجابيةٍ في آن واحد). ولقد وجب التنويه هنا بأن (روب) لم يكن معالجًا نفسيًّا، فالعلاج النفسي بالرسم لا يقوم به إلا الأشخاص المختصون والمؤهلون لذلك فقط، وله أساليب خاصة ومخصصة لعلاج قائمةٍ محددةٍ من الأمراض النفسية، ولكنه بطبيعة الحال كان مدربَ رسم فقط، ذا أسلوب تدريبي مميّز، والهدف الحقيقي من طريقته هو أن نكون سعداء خلال تنفيذ اللوحة، وعدم الانشغال بالقيام بالأمر بالشكل الصحيح، ولكن القيام به على طريقتنا الخاصة، أو بأي طريقة تجعلنا سعداء، وأن نستمتع بكل لحظة أثناء الرسم.

تجربة الرسم في فصل مخصص هي تجربة لطيفة بكافة المقاييس، فالأدوات اللازمة متوفرة، ويقوم بإدارة الفصل أشخاص على قدرٍ عالٍ من الأهلية والخبرة، وفوق ذلك كله فإن أجواء المكان الهادئة، والمنظَّمة تُحفِّز الإبداع، وتُيسر التنفيذ. ولحسن الحظ يوجد في مدينتي الصغيرة مركز من هذا النوع، زرته بضع مرات، واستمتعت بكل لحظة قضيتها فيه؛ فإن كان في مدينتك مركز تدريب لأي مهارة تستهويك فلا تتردد في التسجيل ولو لمرة واحدة، خض التجربة من أجل التجربة فقط، فقد تكون تلك الساعات التي ستقضيها في ذلك المكان هي بداية القصة، قصة إبداعك الجديدة.

وكما اعتدنا دومًا على ملء المساحات الفارغة من دفاترنا بالخربشة خلال محاضرة مُمِلّة، أو لحظات انتظار طويلة صامتة، يمكننا أن نستبدل القلم بالفرشاة، والحبر بالألوان، وأن نسبر أغوار أعماقنا، ونرسم ما يطرأ في مخيلتنا، مستغلين بذلك أوقاتنا المهدرة في تعلم مهارة جديدة مسلِّية، بعيدًا عن صخب الحياة وضجيجها، لا لشيء غير المتعة المحضة، والسعادة الخالصة، أو كما يقول بوب روس: “لست بحاجة لتفسير ما أرسم كل مرة”.

بقلم/ مروة الأماسي

مقالات ذات صلة

‫12 تعليقات

  1. حقيقة كلنا بحاجة ماسه للتخلص من الطاقات السلبيه في ظل ضغوط الحياه وسيطرة الجانب المادي على اسلوب حياتنا والسوشل ميديا وفي ظل التحديات التي تواجهنا كوالدين ولكن نحن كمسلمين نجد الانس في قربنا من الله وحب رسول لله ﷺ
    مقال جميل شكرا لك❤️👍🏼

  2. سلمت يداكي لفتة موفقة واختيارمميز لزاوية مهمة من حيتنا
    تحياتي مع شكري وتقديري للمبدعة المتالقة الكاتبة مروة الاماسي وبارك الله خطاك
    💐💐💐

  3. إن الأحرف التي باتت كلمات والكلمات التي باتت جمل فقدت كل عبارات الجمال في سبيل جمال ما تقدمه لنا مقال اكثر من رائع بروعة تفكيرك المميز..

  4. شكرا لكل من قرأ وعلّق وأثنى وشجع
    ممتنة جدا لمروركم العاطر
    وسعيدة باستحسانكم ودعمكم الكريم
    واسأل الله لنا جميعا التوفيق والسداد
    دمتم بخير وعافية وطاقة ابداع متجددة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى