إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

مطبخ الرومانسية والمقادير

وصلني بالأمس تسجيل مرئي وصوتي (فيديو) لمقابلة على إحدى القنوات الإخبارية الفضائية (طبعا عربية) مع أحدهم الذي قام بإفتتاح أكاديمية في بلده ( عربي أكيد ) لتعليم و تدريس الرومانسية حسب ادعائه .

لن أتعرض لما قاله الشخص الذي كان ضيفًا رومانسيًّا في القناة، فأغلب حديثه كان هذيان تعلوه سفسطائية واضحة.

يصنف السلوك الإنساني إلى:

– غريزي (فطري) instinctive

– مكتسب acquired

السلوك الغريزي (الفطري) هو ما يولد به الكائن الحي مثل الجوع والجنس، ويتساوى في ذلك كل المخلوقات الموجودة على الأرض من طير وحيوان وحشرة وإنسان، ويمكن وصف هذا السلوك بأنه (حيواني) أكثر، أما السلوك المكتسب (… فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ) يتعدى هذا الحديث في معناه الأعم والأشمل التربية الدينية، والدليل على ذلك (هل ترى فيها جدعاء؟)

والفطرة تكون سليمة ونقية من الشوائب، وهي طريقة لا يمكن تعلمها، بل مزروعة (built in) من التصرف والتفكير أو الإحساس. وقد ذكر سلامة موسى في كتابه (عقلي وعقلك) إنه عندما نكف أيدينا عن لمس النار، عندما نشعر بحرارتها، يقوم الكلب بالمثل، فنكون نحن والكلب في ذلك سواء.

أعود إلى الحديث والسلوكيات المكتسبة، فالأبوان أول معلم للمخلوق الجديد (الطفل)، وترسيخ مباديء ومفاهيم ومُثُل وقيم ينشأ عليها في بداياته.

وينشأ ناشيء الفتيان منا … على ما كان عوده أباه

ثم يخرج إلى المجتمع (المحيط surroundings) فيعزز أشياء منها، ويشذب البعض، وربما يغير جذريًّا أو جزئيًّا البعض الآخر.

إن من السلوكيات المكتسبة التي يتعلمها الطفل في بيته: الصدق، والأمانة في القول والعمل، والحب، والألفة، إذا رأى ولمس ذلك في تعامل والديه مع بعضهما.

لا يمكن لطفل أن ينشأ كاذبًا أو سارقًا في بيئة نقية وصالحة من ناحية أخلاقية (لو حصل غير ذلك فهو نسبي ولا ينفي القاعدة بل يعززها)، ويكون في صراع مع ما نشأ عليه وتعلمه من خلال المشاهدة و الإحساس الفطري، وفي أغلب الأحايين يعود إلى ما تربى عليه.

أعود إلى عنوان هذه (الخربشة)، وهل يمكن تعليم الرومانسية

هذا هو سؤال المليون روبل روسي، فالرومانسية ليست سلوكًا فطريًّا وإنما مكتسبًا، ولذا لا نستطيع تعليم الرومانسية والحب.

إن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن تربى في بيئة تفوح منها الكراهية في غالب الحال لا يستطيع أن يكون محبًّا أو حبيبًا. وبحثت كثيرًا عن إمكانية تعليم وتدريس الرومانسية ولم أجد ما يعزز ذلك التوجه، وكل ما وجدته هي نصائح شخصية، وتجارب ربما تنفع مع أشخاص وتفشل مع آخرين، مثل من يصف دواءً لمريض جربه، ويموت الآخر عند تناوله لأن تركيبة جسمه وطبيعة مرضه تختلف عن الآخر.

و (نط) في ذهني سؤال: هل الرومانسية مستويات ودرجات

نعم، وتختلف من إنسان (ذكر أو أنثى) إلى آخر وأخرى، وتكون المرأة هي منبع الرومانسية أكثر من الرجل تبعا لتكوينها الفسيولوجي والروحي والجسماني (وإن كان الأقل في المعادلة نسبة، لكن لا يمكن إغفاله)، والأمثلة على ذلك كثيرة من التاريخ القديم والحديث. إن المرأة تصنع من الرجل رومانسيا والعكس، وهذا لا يعفي الرجل من الرومانسية، لكن النسبية أكثر فيما يتعلق بدورها لتعزيز هذا السلوك وتحويل الرجل إلى كائن رومانسي.

ولأن مقادير طبق الرومانسية غير متوفرة حاليًا؛ تعذر الطبخ.

BON APPETIT

عمتم صباحًا

بقلم الكاتب/ علي بن عويض الأزوري 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى