إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

الجساس “جبيّر وأهالي الرس” .. سادية إبراهيم باشا (الجزء الأول)

علي عويض الأزوري

عندما يبدأ الروائي أو القاص في الكتابة ترتسم في ذهنه شخصيات روايته أو قصته. ليس لزامًا أن يكون عالمًا بنظريات علم النفس أو الاجتماع وغيرها من العلوم لرسم تلك الشخصيات وفقًا لتلك الدراسات. تتدفق الأحداث أثناء الكتابة وتتطور وتتضخم وتتصاعد وتزداد حدة التوتر حسب ما يجول في خاطر الروائي أو القاص. يبرز سؤال:

– هل يتأثر الكاتب نفسيًّا بما يجري في عالم خياله الذي صنعه؟

– هل يتعاطف مع شخصية على حساب شخصية أخرى؟

– هل يقسو على شخصيته ويشعر براحة عندما يجعلها تختبر مراحل نفسية مختلفة؟

أتذكر أنني عندما قرأت رواية تحت عيون غربية Under Western Eyes  للعملاق جوزف كونراد في التسعينات من القرن الماضي وقبل الكتابة عن الشخصية الرئيسية رازاموف Razumov    بحثت فيما كتب عن تلك الرواية من نقد سواء كان أدبيًّا أو نفسيًّا أو فلسفيًّا. تعرض كونراد لحالة نفسية تصفها زوجته:

“يعيش مختلطًا في الكواليس ويتحدث مع شخصيات” Under Western Eyes. في مكان آخر، تتذكر كيف كان كونراد، وهو في حالة هذيان، “يتحدث طوال الوقت باللغة البولندية، باستثناء بعض الجمل القاسية ضد المسكين [جيه بي بينكر] ممثل أعماله الأدبية، ومن الواضح أن أوهامه تضمنت أعراض هوس الاضطهاد”.

يتميز الكاتب الجيد أيا كان في قدرته على جذب القارئ إلى عالمه وتحويله بطريقة واعية أو غير واعية ليتقمص إحدى شخصيات روايته أو قصته، وغالبًا ما تكون تلك الشخصية من تتعرض لمواقف تتباين في حدتها،  فالبعض تتعرض للاضطهاد والتعذيب حسب ما تقتضيه أحداث الرواية، ومثال على ذلك ما سيأتي في رواية الجساس.

– تذكر الكاتبة الأستاذة عبير الرمال في صفحة (176) أن إبراهيم باشا بعد أن أعدم سعود بن عبد الله، تذكر أصحاب الرس فطلبهم، ومنهم الشيخ صالح الحربي والشيخ أحمد الحنبلي. يقول عبد الله بن صالح العقيل في مقال نشر في جريدة الجزيرة بتاريخ 19.10.2008: (هنا الشخصيات حقيقة وكذلك الأحداث).

(وقد كان للشيخ صالح الحربي دور في المفاوضة للصلح بين الإمام والباشا عندما كان يحاصر الرس، فقد ذكر منير العجلاني في (تاريخ الدولة السعودية الأولى) أنه عندما كان إبراهيم باشا يحاصر الرس عام 1232هـ كان الإمام عبد الله بن سعود يرابط في عنيزة وأرسل الشيخ صالح إلى الباشا ليفاوضه على الصلح والانسحاب من الرس فوافق الباشا على الصلح بخمسة شروط هي: أن يدفع له الإمام نفقات الحملة كاملة، وأن يدفع له المتأخر من رواتب الجنود، وأن يعطيه ألفي حصان وثلاثة آلاف جمل، وأن يعطيه مؤنة كاملة للجيش لمدة ستة شهور قادمة، وأن يقدم له اثنين من أولاده رهينة لديه فرد عليه الشيخ صالح بقوله: ما هذا؟ إنك تفاوض سلطان نجد ولا تخاطب فلاحًا مصريًا؛ فحملها الباشا في نفسه ولم يرض التنازل عن طلبه ولم ينعقد الصلح.

وبعد أن عجز إبراهيم باشا وأعيته الحيل عن احتلال الرس نتيجة ما أبداه أهلها من شجاعة وبطولة في الدفاع عنها وافق على عقد الصلح، وتم عقد الصلح الشهير بين أهل الرس وإبراهيم باشا ورحل إلى الدرعية وشارك الشيخ صالح بن راشد الحربي في حرب الدرعية مع عبد الله بن سعود، وأبدى شجاعة في الدفاع عن الدرعية مع أهلها. ويذكر أمين الريحاني في (تاريخ نجد الحديث) أنه لما انتهى الباشا من حرب الدرعية ودخلها أمر بالقبض على بعض الزعماء والعلماء ونكل بهم تنكيلًا شنيعًا؛ فمنهم من طرحوهم مقيدين تحت سنابك الخيل ومنهم من وُضِعوا مكبلين عند فوهة المدفع؛ فقطَّعهم إربًا إربًا، طيَّر أوصالهم في الهواء كما ورد بأن الشيخ صالح أحد الذين وضعهم الباشا في فوهة المدفع فقطع جسمه أوصالًا؛ انتقامًا لما أبدوه من مواجهة لجيش الباشا.

كما يذكر ابن بشر في (عنوان المجد) قتل العلماء في الدرعية فيقول (ولما صالح الباشا أهل الدرعية واستقر به القرار فيها قتل الباشا من أعيان المسلمين عدة رجال فمنهم من قتل صبرا بالقرابين والبنادق، ومنهم من جعل في ملفظ القبس والقنبر فممن جعل في ملفظ القبس والقنبر علي بن حمد بن راشد العريني قاضي ناحية الخرج، وصالح بن رشيد الحربي من أهل بلد الرس (الصحيح صالح بن راشد) وعبد الله بن صقر الحربي من أهل الدرعية كذلك ذكر بن عيسى في تاريخه أسماء الذين قتلوا بأمر الباشا).  أما الشيح أحمد الحنبلي أمر بتعذيبه وقلع أسنانه ثم رحَّله إلى مصر.

ما فعله إبراهيم باشا هو منتهى الوحشية والسادية المتضخمة في شخصيته ويمكن وصفها بالسادية الإجرامية وهي أخطر أنواع السادية التي تصل إلى قتل الآخرين وتعذيبهم بكل أنواع العنف. تمثل شخصية إبراهيم باشا الذي يتلذذ بتعذيب الآخرين (هو ميل متعمد لإلحاق الأذى بالآخرين من أجل متعة رؤيتهم خاضعين للشخص وفي حالة ذل له، وتظهر في أبشع صورها من عدم الرحمة وعدم المسامحة لمن أخطأ في حقه بقصد أو بدون قصد حيث أنه يسعي بكل الطرق من أجل تحقير وإهانة الآخرين مع سحق آدميتهم وجرح كرامتهم مع التلذذ بذلك، كما أنه لا يشعر بالذنب حال ارتكاب الأخطاء أبدًا ويتصف بعدم الثقة بمن حوله والشك الدائم بالآخرين والتعصب لرأيه وفكره وعقاب من ينتقده، وفي الغالب يعاني الشخص السادي من الوسواس القهري.) *

وللدراسة تتمة…

بقلم/ علي عويض الأزوري

*ميديكال للطب النفسي وعلاج الإدمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى