قصة كفاح
بندر بن هلال (1)
إذا ذكرت قصص الكفاح لنخبة من أبناء قبيلتنا، فلا بد أن تذكر قصة الأستاذ/ بندر بن هلال، كواحدة من قصص التميز والكفاح وتجاوز الصعوبات. والذين يعرفون نجاحات “بندر” في حياته العملية مؤخرًا لا يعلم بعضهم أن هذا النجاح جاء بعد مرحلة طويلة من الصعوبات والعوائق ومرارة الحياة التي بدأت من الطفولة.
واول تلك المآسي هي اليتم القاسي الذي عاناه في طفولته هو وأخوانه. كان بندر يأتي للمدرسة بوجه بريء لكنه موسوم بدموع اليتم والفقد، وكان بندر يكتوي من نار هذا الفقد التي أحرق ملامح مهمة من طفولته ولا تزال في أعماق نفسه لليوم.
وكيف لطفل ذكي مشبع بالبراءة وحب الحياة أن يواجه هذا اليتم؟ وما تبع اليتم من حياة البؤس والفقر، وصعوبات الحياة.
وكم شاهدت بندر وهو ياتي حافيا للمدرسة أو بثوب متواضع وربما مشقوق من أحد الجوانب. أما فطور المدرسة فقد كان حلما بعيد المنال لطفل نحيل الجسد يتيم القلب.
مضت الرحلة ببندر (الطفل الموهوب) من القرية إلى المدينة وظل يكافح تلك الصعوبات يوما بعد يوم، ومرحلة بعد مرحلة، حتى وصل للمرحلة الثانوية. كان جسده النحيل محملا بطموح أثقل من الجبال، وعقله الذكي يقاوم صعوبات الواقع المتزايدة، وعينه على المستقبل إسوة برفاق دربه الذين شقوا طريقهم في الحياة.
لكن الأيام تزداد قسوة ليتعرض هذا الفتى الموهوب المرهف الحس إلى مظلمة كبيرة كلفته سنتين من السجن!
يا الله كيف لهذا القلب المرهف أن يتحمل مرارة الفقد واليتم والبؤس والسجن، ظلمات بعضها فوق بعض، كيف لقلبه الصغير أن يتحمل ظلمة الظلم والظالم وقسوة السجن والسجان!.
خرج” بندر “من هذه التجربة محطما مكسور القلب مشتت الفكر والذهن، ولكن لأن الطموح أقوى فقد واصل مسيرته التعليمية
بندر بن هلال (٢)
انطلق مرة أخرى يلملم شتاته وأحزانه وقلبه المكسور لينهي المرحلة الثانوية ثم المرحلة الجامعية في تخصص الإدارة بجامعة الملك خالد. وخلال هذه الرحلة ظل بندر يواصل كفاحه، تزداد الظروف قسوة ويزداد إصراره على تحقيق طموحاته. ليلتحق بالمؤسسة العامة للتقاعد موظفًا ثم مشرفًا ومديرًا لفرعها بالطائف. يقول لي حين وقعت قرار مباشرتي ابتسمت ابتسامة اختزلت في طياتها سنين من الحزن والتعب والشتات.
هذا هو بندر الإنسان ورفيق الدرب وصديق الطفولة، والذي واصل نجاحه في رحلته العملية.
وكل من عرف بندر الانسان يلمح فيه تلك الروح المفعمة بالجمال والإنسانية والأناقة، نقي القلب، مرهف الحس، وفِيٌّ لأصدقاء الحياة بكل مراحله.
يعيش شخصية الإنسان الفنان في كل تفاصيل حياته واختياراته، بدءا من الخطاط العظيم الذي يكتب بخط مبهر لا يجاريه أحد، والفنان المتجسد في لوحاته المرسومة بفن عبقري لا حدود له، يحيل الأماكن الصامتة إلى روح تنبض بالحياة.
وبندر الإنسان مسكون بالذوق الرفيع في بقية تفاصيله، متميز في أناقته ولبسه وتفرد عطوره، وكل ما يحيط بالجمال. أما ذائقته الموسيقية وعشقه الأبدي للفنان طلال مداح، فتلك حكاية أخرى لا تستوعبها الكلمات.
كم كنت مثالًا يابندر لكل الطامحين وكل الموهوبين والمبدعين، تقاوم المصاعب بريشة الفنان وإحساس الإنسان.
بقلم/ فهد يوسف



