عليّ أن أعترف أنني كنت قاسيةً جدًا على نفسي، وأنني نظرت إلى الأمور من زوايا خاطئة، رغم كوني روائيةً في طور التشكّل، ومحبّةً لفن الأدب بكل اتساعه، ومُنجذبةً لبعض أنواعه بشغفٍ خاص.
فمنذ الصف الرابع الابتدائي، بدأ كل شيء. كنت أقتطع صور الشخصيات من المجلات والكتب والصحف، وهو ما كان يفعله معظم مواليد التسعينات وجيل الألفية، ثم ألصقها في دفترٍ أو كُراس، وأُحييها بحواراتٍ وقصصٍ من خيالي. ما زال بعضها حيًا معي حتى اليوم، لم تُتلفه السنوات ولله الحمد، يومها كنت أكتب بدافع المتعة والتسلية فقط. لكن الحياة لا تُبقي أحدًا كما كان (لحسن الحظ صدقوني).
مررتُ بالكثير وأكثر مما كنت أتخيّل، لقد مررت بأشياء تفوق عمري أضعافًا. واثقة بأني واحدة من أولئك الذين يُقال عنهم: صغار في السن، كبار في التجربة. حسبتُها بعقلي الواهن في البدء نقمة أو بالأحرى لعنة، بأمانة هو شعوري آنذاك. لأنني لم أفهم لم حدث كل ذلك لي، لم أستوعب أنها طريقتي الخاصة في التعلّم، والطريقة التي أرادها الله لكي أفهم الحياة كما يُفترض بي أن أفعل.
فكل ألم شعرتُ به، كل دمعة ذرفتها، كل تعبٍ أنهكني، وكل ثمنٍ دفعته لم يكن عبثًا. بل كان يصوغني وإن أثقل روحي، فإنه أعاد تشكيل أفكاري، ومنحني قوة وعمقًا لم أكن لأصل إليهما بطريقٍ أسهل. كنت أجهل الحكمة الإلهية منها، وهذا بديهي لأي بشر فان. حتى بدأت العدالة تتكشف لي شيئاً فشيئاً. ومع القراءت المتنوعة، تبدل كل شيء للأفضل. ألتقط من كل سطر أثر، كمن تجمع شظايا مرآة لتصنع وجه جديد لها وما أحسنه من وجه. جدياً كانت حياتي فوضى تتنازعها الاتجاهات، إلى أن مسّني لطف الله الخفي، الذي فطنت انه لم يتخلى عني لحظة واحدة، وكان يقودني إلى ما يُناسبني ولا أحد سواي.
أنا الآن بكرم الإله في مرحلة لم أصل إليها من قبل. أكثر امتنانًا، أكثر صلابة، وأكثر قناعة. تغمرني راحة وسكينة كأنني “فوق القمر” كما يقول الأمريكان هه، لكنها ليست مجرد عبارة بالنسبة إلي، بل حالة أعيشها فعلياً، ولن أُنكر وجود أيامٍ تعِسة، هذه طبيعة الحياة، المهم ان الإحساس الداخلي الغالب بعد كل ماجرى هو (السلام) وهذه واحدة من النعم العظيمة التي أنعم الإله الواحد علينا بها، لكن ليس الجميع محظوظ. بلغت هذا الشعور لأنني بدأت أغوص في نفسي، أحبها وأفهمها، فتعلمت كيف اتوقف عن المبالغة، وجلد نفسي، واصبحت أكثر منطقية وواقعية. فالحياة لا توزّع أرزاقها بالتساوي، ولكلٍّ منا نصيبه وقدره واختباره الخاص. فأنا حين كنت أرى من حولي ينجزون ويصلون القمة، تتملكني الحسرة على نفسي وعلى حظي الردي، معاذ الله أن يكون حسدًا، وإن تخللني في بعض الأحيان ولن اخجل من الإعتراف بذلك، لكنني أيضاً أملك جانب مظلم، ولكن يعلم الله انه في الغالب كان ألمًا.
(رزقي سيُدركني) هذه حقيقة وعيتُها فأطمئن بالي وارتاحت نفسي، اتحدث عن جميع أنواع الخير التي قد يتمناها المرء، مهما طال الزمن أو قصُر سيُدركني، وكل ماعلي فعله الآن، التركيز على مابين يدّي، وبذل ما في وسعي. هذا صحيح، رحلة القراءة، والتعلّم، والاكتشاف هذه الرحلة الأدبية والنفسية التي اخوضها الأجمل على الإطلاق. لم أعُد أخشى الكتابة بضعف أو ركاكة، اجل أُخطئ، أصيب، أستعين بالقواميس، وبالشات جي بي تي لإعادة الصياغة، أو تصحيح الإملاء، أو وضع علامات الترقيم المناسبة في مكانها الصحيح او…ألخ، أنني روائية متدرّبة، وأُعلّم نفسي بنفسي كل يوم، ويحق لي ان أفعل كل ذلك إلى أن يكتمل تعلمي في ظروف أفضل.
ليس الوصول سهلًا، ويحتاج وقتًا، أنا أتعلم من المؤثرين الذين أسمعهم، ومن الكتّاب الذين أقرأ لهم، أقتبس، أراقب، وأستفيد حتى من أصدقائي المبدعين، وأحضر المحاضرات والورش التعليمية، وأُغذّي شغفي بالمعرفة. لكنني لا استعجل شيئاً، لست في سباق ماراثون ولن أملك كل شيء. حقاً تكسّرت مجاديفي في سعيي وذلك لأفهم أن عليّ السير بما استطيع ويُلائمني، بخطى هادئة، وإنما ثابتة لأن النجاح لا يُقاس بالسرعة، بل بالجودة.
من قال انه لايمكنني تزوير هويتي الأدبية والإدعاء بأني الروائية الأولى في العالم وأسلك طُرق ملتوية مختصرة، ما أسهل ذلك في زماننا هذا حيث لا مستحيل، ولكن ما الجدوى؟ فأنا قبل أن أخدع العالم، سأكون قد خدعت نفسي وخُنتها، هذه النفس النبيلة التي حلمت بأن تكون روائية منذ الصف الرابع الابتدائي. لهذا قررت أن أعيش من أجل سارة من الآن فصاعداً، أتعلم من أجلها، أتنفّس لأجلها، وأقوى من أجلها، وحدها تستحق هذا العناء، أكتب أولاً ما يسعدها أو يحزنها، ثم اتمنى أن يصل صدقي إلى قلب كل من تقع عينه على كلماتي المتواضعة، ليس ادّعاءً للمثالية، فأنا أبعد مايمكن أن أكون عنها حتى من أني لا أؤمن بوجودها في غير طه العدنان بأبي وأمي فداه صل الله عليه وآله وصحبه وسلم، عُدُوه مجرد اعتراف نبيل وحسب.
أنا سارة محمد يحيى، روائية متدرّبة، مبتدئة، ولا ازال في طور التشكّل والوعي. أنمو بين السطور، قراءةً وكتابة لأنضج. لم أكتمل بعد، ولكن سيأتي اليوم الذي سأكتب فيه ما يستحق بلوغ قلب القارئ وعقله وروحه ووقته. فقط احتاج دعواتكم لي بالتوفيق، أجل أنتِ وأنت، يا من وقعت أعينكم الجميلة على ماسطره قلمي الصغير، متابعين دائمين لي في الصحيفة أو صدفةً، بارك الله لي ولكم.
بقلم الكاتبة/ سارة محمد يحيى – السودان



