إسبوعية ومخصصةالزوايا وأقلام

النوم.. عودة صامتة إلى الذات

أنس بني يونس

النوم… تلك الحالة التي نظنها سكونًا، لكنها في الحقيقة أكثر لحظاتنا امتلاءً بالحياة. حين نغمض أعيننا، لا يتوقف العالم داخلنا، بل يبدأ شكلٌ آخر من الوجود؛ يهدأ الجسد، لكن العقل يستيقظ بطريقته الخاصة، يرتّب الفوضى، يمسح التعب، ويعيد رسم ملامحنا من جديد. النوم ليس هروبًا كما يعتقد البعض، بل هو عودة.. عودة إلى الذات التي أرهقها الضجيج.

في زمن السرعة، أصبح النوم رفاهية لدى كثيرين؛ نسهر لنلحق بما يفوتنا، وننسى أن ما نفقده من راحة لا يمكن تعويضه. كل ساعة نوم مسلوبة هي جزء من صفائنا يُنتزع بصمت. لذلك، لا يُقاس النوم بعدد ساعاته فقط، بل بجودته… بمدى السلام الذي نحمله معنا إلى وسادتنا.

هناك من ينام سريعًا، وكأن قلبه خفيف لا يحمل شيئًا، وهناك من يطيل التحديق في السقف، لأن أفكاره أثقل من أن تُطفأ بسهولة. النوم يكشفنا.. يفضح تعبنا، قلقنا، وحتى أحلامنا المؤجلة. لذلك، أجمل النوم ليس في غفوته، بل في راحته؛ أن تنام وقلبك مطمئن، لا يطارده ندم ولا يؤرقه انتظار.

ولعل النوم هو العدالة الوحيدة في هذا العالم؛ الغني والفقير، القوي والضعيف، جميعهم يلتقون في لحظة إنسانية واحدة، حين يسلّمون أنفسهم لراحة لا تُشترى.

النوم أيضًا مساحة لإعادة التوازن الداخلي؛ ففيه يستعيد الجسد عافيته، ويجد العقل فرصة للهدوء بعد صخب اليوم. كثير من القرارات التي تبدو معقدة مساءً، تصبح أكثر وضوحًا بعد نومٍ هادئ، وكأن الليل يعيد ترتيب الأفكار دون أن نشعر.

كما أن جودة النوم تنعكس على تفاصيل يومنا بالكامل؛ على مزاجنا، إنتاجيتنا، وحتى علاقاتنا بالآخرين. الإنسان الذي ينام جيدًا، يستيقظ بروحٍ أخف، وقلبٍ أوسع، وقدرةٍ أكبر على مواجهة الحياة بهدوء واتزان.

في النهاية، النوم ليس مجرد حاجة جسدية، بل ضرورة إنسانية عميقة؛ هو إعادة ترتيب لما بعثرته الحياة فينا. فاحرص على نومك… لأنه المكان الوحيد الذي تستطيع أن تكون فيه بلا أقنعة، بلا ضجيج، وبلا تعب.

بقلم/ أنس بني يونس

مقالات ذات صلة

‫60 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى