
إدارة المشاعر بين التطبيق الخاطئ والفهم المعكوس
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتزداد فيه الضغوط، أصبحت إدارة المشاعر مهارة لا تقل أهمية عن أي مهارة حياتية أخرى. لكن المفارقة أن كثيرًا من الناس يظنون أنهم يمارسون “التحكم في المشاعر” أو “إدارة المشاعر”، بينما هم في الحقيقة يقعون في تطبيقات خاطئة أو يفهمون المفهوم بشكلٍ معكوس، مما ينعكس سلبًا على صحتهم النفسية وعلاقاتهم.
أحد أبرز الأخطاء الشائعة هو الخلط بين إدارة المشاعر وكبتها. فالبعض يعتقد أن القوة تعني عدم إظهار الحزن أو الغضب، فيلجأ إلى دفن مشاعره وتجاهلها. هذا الأسلوب لا يُلغي المشاعر، بل يؤجل انفجارها، وقد تظهر لاحقًا بشكلٍ أشد حدة أو في مواقف غير مناسبة. الإدارة الحقيقية لا تعني الإخفاء، بل الفهم والتوجيه.
ومن صور الفهم المعكوس أيضًا الاعتقاد بأن التعبير الفوري عن كل شعور هو صحة نفسية. فيندفع البعض للتعبير عن غضبه أو انزعاجه دون وعي أو تقدير للعواقب، مما يؤدي إلى جرح الآخرين أو اتخاذ قرارات متسرعة. بين الكبت والانفجار مساحة ناضجة تُسمى “الوعي بالمشاعر”.
إدارة المشاعر بشكلٍ صحيح تبدأ بالوعي؛ أن تُسمي ما تشعر به بدقة: هل هو غضب؟ إحباط؟ خوف؟ أم مزيج منها؟ هذه الخطوة البسيطة تمنحك قدرة أكبر على التحكم في ردود أفعالك. يلي ذلك فهم السبب، فكل شعور له رسالة، ومحاولة قراءة هذه الرسالة تساعد في التعامل معه بدلًا من مقاومته.
ثم تأتي مرحلة التنظيم — وهي جوهر الإدارة — فالتنظيم يعني اختيار الاستجابة المناسبة بدلًا من رد الفعل التلقائي. قد يكون ذلك عبر التريث، أو تغيير زاوية التفكير، أو حتى الانسحاب المؤقت من الموقف. فليس كل ما نشعر به يجب أن يُقال، وليس كل ما يُقال يجب أن يكون في اللحظة نفسها.
كما أن من المهم إدراك أن المشاعر ليست أوامر، بل إشارات. فالشعور بالغضب لا يعني بالضرورة التصرف بعدوانية، والشعور بالخوف لا يعني الهروب دائمًا. النضج العاطفي يكمن في الفصل بين الشعور والسلوك.
ولكي نتجنب الوقوع في هذه الأخطاء، نحتاج إلى تبنّي بعض الممارسات البسيطة والفعالة:
- منح أنفسنا وقتًا قبل الرد في المواقف المشحونة.
- ممارسة التأمل أو التنفس العميق لتهدئة الانفعال.
- كتابة المشاعر بدلًا من تفريغها بشكل مؤذٍ.
- مراجعة الأفكار المصاحبة للمشاعر وتصحيح المبالغات أو التفسيرات الخاطئة.
- طلب الدعم عند الحاجة بدلًا من العزلة أو الإنكار.
في النهاية، إدارة المشاعر ليست قمعًا لها ولا إطلاقًا بلا ضوابط، بل هي فن التوازن بين الشعور والتصرف. هي أن تفهم نفسك قبل أن تحاول ضبطها، وأن تقود مشاعرك بوعي بدلًا من أن تقودك هي. ومن يتقن هذه المهارة، يملك مفتاحًا مهمًا لحياة أكثر استقرارًا وعمقًا.
بقلم/ د. عائض فهد القحطاني
كاتب ومؤلف، أخصائي إرشاد نفسي، خبير في التوجيه السلوكي، ومدرب تنمية المهارات الشخصية



