الفنتازيا رداءً للتثوير في التجربة القصصية عند محيي الدين زنكنة (ج2)
أ.د. سناء الشعلان
الفنتازيا والثورة في قصص محيي الدين زنكنة:
الثورة عند زنكنة شريفة مقدّسة لا تعرف النّفاق أو المداهنة، ولذلك قد يثور المرء على نفسه إن وجد فيها ظلماً وفساد، فنجد العم إبراهيم في قصة ” القوقعة” يثور على نفسه، ويقرف منها بعد أن تورّط في قتل فرهاد وسفين؛ لأنّ أحدهما أحبّ الآخر، وخرجا عن رغبة الأب الطاغية في منع هذا الزّواج، وهذا العشق المقدّس الذي انتهى بالزّواج بعد الهرب بعيداً عن الأسرة.
فبعد أن عاش العم إبراهيم سنيناً طويلة متورطاً بالقتل والفتك والنّهب لصالح سيده ووليّ نعمته آغا القرية التي لجأ إليها بعد أن جاءها هارباً من قريته الكردية المحاذية للحدود التركية، أيقن في لحظة استيقاظ ضمير أنّه خائف من كلّ أعماله الشّريرة، ومن نبوءة خورشيد أفندي الذي قال له في يوم: “ستموت أنت الآخر يوماً ما، والأرجح سوف يقتلك أحدهم، فالدّماء التي تسفكها، والأرواح التي تغدر بها، لن تذهب هدراً، وإذ ذاك لن يجديك الآغا ولا نفوذه ولا أمواله فتيلاً”.
وفي لحظة مكاشفة نفس، وتطهّر من خطايا النّفس عبر الاعتراف، يقول العم إبراهيم لربيبه حسن ابن الآغا: “يخيّل إليّ أنّه ليس ثمة بقعة في الأرض، إلاّ وبين طياتها ضحية من ضحاياي، آه لقد أسرفت، أسرفت وتماديت، كثيراً كثيراً جداً”. ومن ثم ينحاز للتوبة والتطهّر من الخطايا، فيلقي سلاحه، ويهجر سيرته الدمويّة، ويركن إلى نهاية غرائبية تكسر حاجز المتوقّع، إذ ينهي مسيرة الدّم بالدّم، ويستسلم لنبوءة خورشيد أفندي إذ ينتهي قتيلاً، ولكن على يديه، فيضع حداً لحياته بإطلاق الرّصاص على نفسه.
وهذه الثورة على النّفس التي تنحاز إلى السلوك الغرائبي تختلف عن تلك النهاية المتوقّعة للسّد في قصة ” السدّ يتحطم ثانية”، فمختار القرية الذي يتآمر مع الغريب من أجل إرواء مزارعهما وحرمان مزارع أهل القرية من حقها بالماء والإرواء، يخفق في أن يسكت ثورة أهل القرية على ظلمه، ويهزم أمام إرادة أهل القرية التي أزالت السّد المانع للمياه عن مزارعهم، وهو رمز ظلمهم وقهرهم، “فاندفعت المياه، لتغمر المزارع كلّها”.
أمّا في قصة ” الجراد” فيكون المسخ هو عقاب كلّ من يستسلم للاستلاب ولقوى الظّلم والاستبداد، ويخون الثورة، فالجراد يهاجم أهل القرية، ويحاصر أهلها، ويجبر أفرادها على أن يتنكّروا لآدميتهم، وأن يقولوا إنّهم جراد، فمن يقع في فخّ الألم والضعف يتحوّل إلى جراد متوحش مسجون داخل حالته المسخ، أمّا من يرفض ذلك فإنّه يموت على يدي معذبيه الجراد، ليصبح نوراً متعالياً نحو السّماء، بوجوه جميلة مضيئة. ويصبح حال الجماعة هو حال روناك التي تقول متحدّية الجراد والامتساخ: “لا تكن جراداً، مت، ولا تكن جرادًا، لا تدع أيّاً منا يصبح جراداً، لنمت، لنمت كلّنا”. ثم “لم يلبث أن استحال الصوت المنفرد الآتي من كلّ الجهات أصواتاً جماعية هادرة منبثقة من كلّ مكان”.
وبذلك يضعنا محيي الدين زنكنة أمام خيارين لا ثالث لهما في الحياة في قصته المرعبة، فإمّا أن نختار أن نستسلم للقهر، ونصبح جرادًا حقيرًا، وإمّا أن نقول لا، ونرفض الظلم، ونكون أحراراً سعداء أو شهداء أبرار مكانهم جنان الخلد.
والثورة هي من تمدّ بطل قصة”سبب للموت، سبب للحياة” بالفعل العجائبي المتمّرد على قوى الظلم، كما هو متمرّد على قوى الطبيعة ونواميسها، فبطل القصة يثور على الضعف، ويقرّر حقيقة تغيّره بقوله: ” لن يظلّ الإنسان رخيصاً وتافهاً طوال عمره” ويواجه معذبيه وجلاديه بحقيقتهم المظلمة فيقول: ” ولكنّكم يا سادتي قد ذبحتم ما فيه الكفاية، لقد امتلأت كلّ القدور والأواني والبراميل والأحواض بالدّماء”. ويهدّدهم بالثّورة القادمة على أيدي الأحرار وباغي شمس العدل الذي يشبهه بالطّوفان” سيحدث الطّوفان الذي سيجرفكم أو يخنقكم في عقر دوركم، ويلتزم بصمته وتستره على رفيقه في الكفاح والنّضال غير آبهٍ بتعذيبه أو قتله في سبيل ذلك، ويعيش تجربة موته، وتجربة ما بعد موته بفعل عجائبي موهوب له بسلطة استشهاده ونضاله، فجلّاده يقرّر قتله، وهو لا يبالي بموته، وينتصر على الموت، ويصنع موقفه حتى بعد ذبحه، ويفخر بأنّه يموت مقابل ما يستحق ذلك، وهو الحرّية” ضغط على المدية بقوة، أحسستُ بالجلد يتمزّق، والدّم يتدفّق، لملمت شفتي؛ لأجعلهما تبدوان على شكل ابتسامة، وابتسمت فعلاً، فقد كنتُ سعيداً حقاً، لقد أصبح عندي، أنا الآخر ما أموت من أجله، أنا الذي كنتُ أستكثر على نفسي الموت المجاني، وأخاف من أجل لا شيء”.
ومحيي الدين زنكنة ثائر مبدع على واقعه وعلى فساد مجتمعه ومعطيات واقعه، ولعلّه هو ذاته هو بطل قصة”الرجل الذي امتهن دراسة الكائنات البشرية”، وإن كان يروي القصة بضمير الغائب، لا بضمير البطل الذات عبر ضمير المتكلم الذي يدمج شخصية البطل في شخصية الراوي بشخصية الروائي أو القاص في كثير من الأحيان، وهو إن كان يستخدم ضمير الراوي الغائب لإبعاد نفسه عن عالم قصصه الموشّاة بالتحّريض على الثورة، إلاّ أنه يتورّط في هذا التحريض طواعية عبر ذلك الإيحاء الملغز لجدوى دراسة الكائنات البشرية التي يمتهنها بطل القصة، وهي وظيفة تقبل أن تُؤوَّل بالكتابة عن الكائنات البشرية وسلوكها الإنساني التي يمتهنها زنكنة في تعريته للزيف الإنساني، وتنديده بالظلم الذي يجاهر برفضه في كلّ قصصه، ولا سيما في قصته هذه.
ومن هذا المنطلق نستطيع أنّ نفهم إسقاطات اليد اليمنى في هذه القصة، فهي يد محيي الدين زنكنة التي هي امتداد لكلّ يد مبدعة تكتب الثورة والتحريض ضدّ الظلم، ولا غرو أن نجد هذه اليد تقوم بفعل عجائبي، إذ هي تغادر يد صاحبها بطل القصة، وتسقط في الأجساد النّخرة، وترفض أن تعود إليه في لحظة مقاومته لأسراب الغربان المتوحشة التي تصمّم على أن تلتهم البطل، وحتى عندما يناجيها البطل قائلاً لها باستعطاف: “يا عزيزتي، أنت جزء مني، لقد ولدت معي، وقدمت لي خدمات كثيرة في مجالات مختلفة.وإنّ فراقك الآن يؤلمني، فلماذا تتخلّين عني؟! تعالي يا عزيزتي، تعالي”.
فإنّها تصرّ على خيانته، وتصرّ على خذلانه، عند ذلك يواجهها برفضه لها أيضاً إذ يقول: “آه يا يدي اليمنى الحقيرة، أبداً لم أدرك أنّك بهذا القدر من القذارة”. ويتراجع مقرراً أن يهجر مدينة الظلم التي يغدو أناسها أمواتاً بأجساد نخرة مستسلمة ذليلة، مهدداً بالعودة عندما تستوي عنده أدوات الثورة وآلاتها ومقوماتها ” بيد أنّي سأعود، حين يحين الوقت لأدرس كلّ الكائنات البشرية، وانسحب حتى توارى تماماً، وفي أعماقه، يتعملق تصميم وإصرار بالعودة”.
إذن محيي الدين زنكنة يضع خطة بديلة للمواجهة المباشرة مع العدو= الغربان في حالة الضعف، فهو يرفض الاستسلام جملة وتفصيلاً، ولكنّه يقبل بالانسحاب المؤقت المدروس إلى حين استكمال أدوات الثورة والنّضال، والعودة من جديد إلى ساحة المقاومة، ورفض القبح أيّاً كان شكله ونوعه وسببه، ليخلص إلى هدفه الأسمى في الحياة، وهو الثورة، التي يجعل من مهنة دراسة الكائنات البشرية معادلاً موضوعياً لها.
بقلم/ أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة)




طرح عميق يكشف فلسفة الثورة عند زنكنة بصورة مدهشة.
التحليل الأدبي في هذا النص يحمل وعيًا فكريًا كبيرًا.
أجمل ما في المقال ربط الثورة بتطهير النفس من الظلم.
قراءة ثرية جدًا تكشف رمزية القصص بطريقة رائعة.
النص مليء بالإسقاطات الفكرية والإنسانية العميقة.
أسلوب التحليل ممتع ويشد القارئ حتى النهاية.
الكاتب نجح في تفكيك رموز زنكنة بأسلوب احترافي.
الثورة هنا ليست سياسية فقط بل أخلاقية وإنسانية.
قراءة واعية تكشف أبعادًا خفية في النصوص القصصية.
أعجبني الربط بين المسخ والاستسلام للظلم.
النص يحمل لغة أدبية راقية وتحليلًا متقنًا.
زنكنة يكتب الثورة كقيمة وجودية لا كفكرة عابرة.
المقال يفتح أبوابًا واسعة للتأمل في الأدب المقاوم.
تحليل رائع لفكرة التمرد على القبح والفساد.
أكثر ما شدني رمزية الجراد والتحول الإنساني المخيف.
النص ثري جدًا بالرموز والدلالات الفكرية.
هذا النوع من الأدب يجعل القارئ يعيد التفكير بالواقع.
الثورة في قصص زنكنة تبدو فعل خلاص إنساني.
قراءة نقدية تحمل حسًا أدبيًا وفكريًا ناضجًا.
النص يبرز كيف يتحول الأدب إلى موقف مقاومة.
أعجبني توظيف الرموز في شرح الشخصيات والأحداث.
الكاتب استطاع إيصال روح نصوص زنكنة ببراعة.
تحليل يحمل الكثير من العمق والجمال الأدبي.
المقال يثبت أن الأدب الحقيقي لا ينفصل عن الإنسان.
لغة قوية وأفكار مترابطة بشكل جميل جدًا.
رمزية اليد اليمنى كانت من أجمل ما ورد في المقال.
النص يجعل القارئ يعيش أجواء القصص بكل تفاصيلها.
أعجبني وصف الثورة كرفض دائم للاستسلام.
قراءة أدبية ممتعة ومليئة بالتحليل الواعي.
يعطيك العافيه
المقال يسلط الضوء على إنسانية زنكنة الثائرة.
السرد النقدي هنا يحمل جمالًا خاصًا ومختلفًا.
النص يكشف عمق الرؤية الفكرية في أعمال زنكنة.
تحليل ثري بالمفاهيم الإنسانية والفلسفية.
أعجبتني فكرة الثورة على الذات قبل الآخرين.
المقال مكتوب بلغة أدبية راقية ومؤثرة.
كل فقرة تحمل فكرة تستحق التأمل طويلًا.
قراءة قوية للنصوص الرمزية والغرائبية.
الكاتب أبدع في إبراز البعد النفسي للشخصيات.
الأدب المقاوم يظهر هنا بأجمل صوره الإنسانية
التحليل يجعل القارئ يقترب أكثر من عالم زنكنة.
نص يحمل ثقافة واسعة ووعيًا نقديًا واضحًا.
أكثر ما أعجبني الربط بين الثورة والحرية.
قراءة أدبية ممتعة مليئة بالإشارات الذكية.
الكاتب استطاع كشف جماليات النصوص بمهارة.
المقال يعكس فهمًا عميقًا للأدب الرمزي.
الطرح النقدي هنا متوازن ومؤثر جدًا.
زنكنة يبدو في هذا المقال ثائرًا حتى في رموزه.
نص ثري جدًا بالمعاني الفكرية والإنسانية.
التحليل جعل القصص أكثر قربًا وتأثيرًا.
المقال يحمل جهدًا نقديًا واضحًا ومميزًا.
قراءة ذكية تكشف عمق النصوص القصصية.
تحليل رائع لفكرة الرفض والتمرد في القصص.
النص يجعل القارئ يعيد التفكير بمعنى الحرية.
قراءة نقدية متماسكة ومليئة بالإبداع الفكري.
من أجمل المقالات النقدية التي قرأتها مؤخرًا.