إسبوعية ومخصصةالزوايا وأقلام

الفنتازيا رداءً للتثوير في التجربة القصصية عند محيي الدين زنكنة (ج4)

أ.د. سناء الشعلان

والثورة عند محيي الدين زنكنة قد تخسر قدسيتها وشرفها وريادتها عندما تخسر أولوياتها، وأهم أسباب وجودها، وهي إحقاق الحق، وتكريس الحقوق، وتوفير الحياة الأفضل للجميع على حدّ سواء.وعندئذٍ تصبح الثورة ضربًا من أعمال الإجرام والعصابات التي تخفق في تحقيق أيّ هدف سام، خلا أن تغوص في الملذات والترف المبني على دماء الأبرياء.ففي قصة ” الكلب العجوز، مغمض العينين” تغيّر ثورة الكلاب المشروعة دربها من الثورة على المجاعة وعلى أسبابها، إلى محاولة تحقيق أسباب الشبع بعيدًا عن حلّ أسبابها، فبدل أن تثور الكلاب فضلًا عن البشر على من جوّعهم، وظلمهم، تقّرر الكلاب بقيادة الكلب الأسود الشّرير في لحظة جوع مداهم أن تأكل أيّ بريء في طريق تشرذمها هنا وهناك، ويجد الكلب العجوز الساذج نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، إمّا أن تأكله الكلاب الجائعة، وإمّا أن يرشدهم إلى سيده البشري الطيّب الذي رعاه وأحسن إليه منذ كان جروًا صغيرًا ضعيفًا، يكاد يهلك فأنقذه وعالجه وآواه، فيقترح على الكلاب أن تأكل سيده بحجة أنّه” أكثر لحمًا، ويكفينا كلّنا”.

وفي مصير غرائبي مخيف، نجد الكلب رمز الإخلاص، يتحوّل إلى خائن رعديد، يقبل بأمر الكلب الأسود الشّرير زعيم الكلاب: ” أنت من تدخل، وأنت من تهجم، وإن تلكّأت هجمنا عليك”، ويقوم بمهمته الدّموية بكلّ نجاح وانصياع، وسرعان ما نسي أنّ فريسته هو سيده الطّيب الذي لطالما أحسن له، “وبسرعة خارقة أبعد عن ذهنه صورة سيده التي تشعره بالإثم والخيانة، وراح يضرب بشدقيه المفتوحين وأنيابه الحادة، هنا وهناك، يقتطع قطعًا من اللحم، كيفما اتفق”.

وأمام هذه الفوضى السلوكية التي تدفع بالثورة إلى مستنقع الخيانة والخطيئة، يقع الكلب ميتًا بعد أن شبع من لحم سيده؟ فهل يريد محيي الدين زنكنة أن يقول إنّه قد مات لأنّه لا يستحق الحياة بعد خيانته؟ أم أراد أن يقول إنّ هذا هو مآل الخائنين؟ أم لعلّه أراد أن يقول إنّ الشّبع من لحم الشّعب لن يمنعك أن تموت جوعًا حتى ومعدتك عامرة باللحم والدّماء؟ تبقى الإجابة مفتوحة على التأويلات في ضوء بشاعة الخيانة، وقبح من يحوّلون الثورة من نار مقدّسة إلى آتون حارق متلف لايبقى ولايذر.

ويجنح محيي الدين زنكنة إلى الفكاهة السّوداء التي تشكّل كفاية اجتماعية تمثّل كيفية تعبير الإنسان عن مشاعره، فهي مركّب من القبول والرفض لهذا العالم. الذي يستجيب فيه كلّ إنسان وفقًا لسجله العاطفي الإيجابي والسلبي، ضمن بنية لغوية متماسكة “تفرز السخرية والمرارة في آن “. ففي قصته الساخرة” فكاهة” يمتدّ بالثورة إلى كلّ مناحي الحياة حيث السذاجة، لتومىء هذه القصص الصغيرة إلى ذلك الكبير الخطير المفقود من الحرية في كلّ أشكالها ومستوياتها.ففي هذه القصة يبلغ التعنت والتجبّر غايته بالسلطان الذي يقضي في فرمان ملزم أن يحلق رجال السلطنة شعور رؤوسهم، لا لسبب حقيقي على الرّغم من حججه المعلنة إلاّ لأنّه أصلع، ويريد أن يتقرّب من قلب ابنة قاضي الولاية (جميلة)، وعندما سخرت من صلعه، قرّر أن ينتقم من كلّ الرّجال أصحاب الشّعور الطويلة، فأمر بجزّها كما تجزّ أصواف الأغنام؟

وقد نزل كلّ رجال السلطنة على أمر السلطان، لا طاعة له، ولا تعاطفًا مع قضيته الخاسرة، ولكن طمعًا في المال الذي يغدقه على كلّ من يقصّ شعر رأسه، ورائدهم في ذلك قول القائل: “قد آن لنا وبفضل قرار الوالي الحكيم أن نبيعها بأضعاف سعرها بالأمس”.

لكن السلطان لم يعدم ثائرين على فرمانه الجائر الاستبدادي الذي يمثّل طغيانه وجبن الرّعية خير تمثيل، فسعيد حبيب جميلة قد رفض أن يذعن لهذا الفرمان العشوائي، وقبل أن يسمّى بالمجنون نظير رفضه، وعندما قدّم للمحاكمة على فعله الثائر الرافض، لم يجد في نفسه خوفًا يمنعه من أن يبصق في وجه السلطان الجائر أمام الرّعية المحتشدة، ليسير إلى عقابه الموت حرقًا دون خوف أو تراجع أو توسّل طلبًا للمغفرة أو الصّفح.

فهل انتهت الثورة في نظر محيي الدين زنكنة بإحراق الثائر الوحيد على فرمان السلطان؟ بالتأكيد لا.فلحظة حرقه تزامنت مع مولد طفل ثائر جديد مكتسي بالشّعر على الرّغم من أنف السّلطان!” وإذا أخذت نورهان تشمّ رائحة اللحم المحروق، أطلقت صرخة هائلة، التفت إليها الكلّ مبهوتين، فصعقهم منظر رأس صغيرة، تدلّت من بين ساقيها، تغطّيها غلالة رقيقة من شعر ناعم، أحمر، بلون الفجر الوليد”.

بقلم/ أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة)

مقالات ذات صلة

‫51 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى