على غير العادة، في أوقات الحج ألتزم منزلي، وأحاول ألّا أخرج إلا لأداء فرضي ذهابًا وإيابًا فقط. حتى من يستوقفني للحديث، أحاول ألّا أطيل معه.
غير أن ذاك الحاج البسيط، الطاعن في العمر، القادم من إحدى الدول العربية، ترك الجمع وأتى نحوي يتحدث وكأنه يعرفني منذ زمن. وفي ثنايا حديثه قال:
“إن كنتَ سعوديًا، فهنيئًا لك بهذه البلاد، وإن لم تكن، فهنيئًا لك بأنك ترتوي من ماء هذه الأرض.”
شعرتُ أنه يريد الحديث، وأن في صدره شيئًا أكبر من الكلمات العابرة، فلم أعلّق، بل كنت مستمتعًا بما يقول، ولسان حالي يردد: يا حاج، أنت لم تأتِ بجديد؛ فنحن أهل هذه البلاد أو المقيمون فيها اعتدنا هذا المشهد حتى ظننّاه أمرًا طبيعيًا.
لكنه لم يكن يتحدث عن الطرق، ولا الأبراج، ولا اتساع المدن، بل كان يتحدث بعينِ من جاء مشتاقًا، فبدا لنا ما نملكه وكأنه معجزةٌ لا نراها إلا حين يصفها الغريب.
ثم قال بصوتٍ متعب:
“يكفيكم أن الناس تأتيكم من كل فجٍّ وهي تحمل رجاءها إلى الله.”
حينها فقط شعرتُ أن بعض النعم لا يوقظها فينا إلا العابرون.
فنحن، لكثرة ما اعتدنا المشهد، قد نمر بالحاج المنهك بثياب إحرامه البيضاء، دون أن ندرك أنه ربما ادّخر عمرًا كاملًا ليقف هنا، أو باع شيئًا من دنياه ليبلغ هذه الرحلة التي نراها نحن جزءًا معتادًا من العام.
النعمةُ لا تفقد قيمتها، لكنها تفقد دهشتنا نحن؛ نعيشها حتى نظنها عادية، بينما يراها غيرنا كأنها تُمنح لأول مرة.
بقلم/ عائض الأحمد



