من قلبٍ ينبض شوقًا إلى هذا البلد الأمين، ويرتل حروف الثناء على مقامٍ طاهرٍ صاغ تاريخ الوجود، أرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات، مقرونةً بأصدق مشاعر الإجلال والاعتزاز، إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، عاهل المملكة العربية السعودية، وإلى عضده الأيمن ومهندس الرؤية المتجددة، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وإلى الشعب السعودي النبيل والشقيق؛ بمناسبة موسم الحج المبارك.
تتنفس الأرض الصعداء، وتنسلخ الأيام من عباءة الرتابة، لتعلن في الكون حالةً من الاستنفار الروحي.
يقف الزمان بوقار، ويرخي الليل سدوله على قلوبٍ بدأت خفقاتها تتسارع. ثمة نداءٌ خفيٌّ يتردد في أرجاء الروح، يوقظ في المغتربين عن ذواتهم حنين العودة. إنها الأيام العشر التي تولد فيها النوايا، وتُحزم فيها حقائب الرجاء، حيث يخلع المرء طين الأرض ليرتدي بياض الغمام.
«لبَّيك»… ليست مجرد كلمةٍ تلبيها الحناجر، بل هي زفرة الروح التي أضناها المسير في مناكب الدنيا، فوجدت في مكة المكرمة مستقرها، وفي الكعبة قبلة نبضها.
مكة.. البدء والمنتهى
هنا مكة المكرمة.. أول بقعةٍ استيقظت عليها الحياة، وأول مكانٍ مأهولٍ عمر الأرض بالتوحيد؛ حيث تشرّف الوجود بقوله تعالى:
{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}.
هي الأرض التي ليس على البسيطة بقعةٌ أحبُّ إلى الله وإلى رسوله الكريم منها، صاغتها يد القدرة الإلهية لتكون ملاذ الأرواح، وسكينة النفوس، ومحطَّ رحال القلوب الوجلة.
هي دعوة خليل الله إبراهيم، أمنًا وثراءً وعشقًا ونداءً.
إن ما نشهده اليوم من تهافت الأفئدة، وسيل البشر الذي يتدفق في عروق المشاعر المقدسة مستبشرًا بالأمن والثراء، ليس إلا ثمرةً مباركةً وتجليًا سرمديًّا لدعوة نبي الله إبراهيم حين دعا ربه:
{رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}،
فساق الله إليها ثمرات كل شيء، وجعل أفئدة الناس تهوي إليها شوقًا وهيامًا.
ومن هنا، فإن أمن هذه البلاد الطاهرة، وصون حرمتها، والذود عن حياضها، ليس مجرد واجبٍ سياسي أو كفايةٍ مجتمعية، بل هو فرض عينٍ على كل مسلمٍ يرجو الله واليوم الآخر؛ فأمن مكة المكرمة هو أمن الأمة، واستقرارها هو نبض العقيدة في صدور العالمين.
بقلم الكاتب والروائي/ علي بن محمد الفشني



