مواسم الخير

الحج… دروب السيرة الإبراهيمية

خلف بن سرحان القرشي

ثمة عبادات نؤديها، وثمة عبادات تعيد تشكيل أرواحنا من الداخل. والحج ـ في ظني ـ ليس مجرد فريضة كبرى في الإسلام، بل رحلة رمزية وروحية هائلة، كأن الله أراد للإنسان فيها ألّا يقرأ سيرة إبراهيم عليه السلام فحسب، بل أن يعيشها بقدميه، ويتحرك داخلها، ويعيد تمثيل مشاهدها الكبرى في كل عام.

من يتأمل مناسك الحج جيدًا يكتشف أننا لا نعيش مجرد طقوس متفرقة، بل نعيش “السيرة الإبراهيمية” بصورة عملية حيّة. إبراهيم حاضر في الطواف، وفي السعي، وفي الذبح، وفي رجم الجمرات، حتى في ذلك النداء البعيد الذي ما زالت البشرية تستجيب له منذ آلاف السنين.

حين رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، لم يكونا يبنيان جدارًا من الحجارة فقط، بل كانا يؤسسان لفكرة التوحيد ذاتها، ولبيتٍ سيصبح مركزًا روحيًا للعالم الإسلامي كله.

ولعل من أجمل المشاهد في القصة أن إبراهيم ـ بحسب الروايات ـ حين أُمر أن يؤذن في الناس بالحج، قال: وكيف يبلغ صوتي؟ فجاءه الجواب الإلهي العجيب: “عليك النداء… وعلينا البلاغ.” ومنذ ذلك النداء القديم، والبشر يأتون من كل فجٍّ عميق، بألوانهم، ولغاتهم، وضعفهم، وأحلامهم، وذنوبهم، وحنينهم إلى الله.

أما السعي بين الصفا والمروة، فهو ـ بالنسبة لي ـ من أكثر الشعائر إنسانية ودهشة. امرأة وحيدة في صحراء موحشة، تركها إبراهيم امتثالًا لأمر الله، ومعها رضيع يكاد يموت عطشًا. تركض بين جبلين بحثًا عن الماء، ثم تعود، ثم تركض مرة أخرى… سبعة أشواط كاملة من القلق، والدعاء، واللهفة، والأمل.

ولأن الله لا ينسى عباده، انفجر زمزم. لهذا أشعر دائمًا أن السعي ليس مجرد حركة جسدية، بل إعلان عظيم بأن الفرج قد يخرج من قلب العجز نفسه، وأن الإنسان مطالب بالسعي حتى حين لا يرى شيئًا واضحًا أمامه.

وفي مشهد الذبح العظيم، نصل إلى واحدة من أكثر اللحظات رهبة في التاريخ الإنساني كله. أب يرى في المنام أنه يذبح ابنه، وابن يجيب بكل هذا اليقين: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾. أي إيمان هذا؟ وأي طمأنينة هذه؟

المشهد أكبر من فكرة الذبح ذاتها؛ إنه اختبار للتعلق. كأن الله يسأل إبراهيم: هل بقي في قلبك شيء أحب إليك مني؟ ثم تأتي الرحمة الإلهية في اللحظة الأخيرة، ليبقى الدرس خالدًا: الله لا يريد تعذيب الإنسان، بل يريد أن يتحرر قلبه من العبوديات الصغيرة كلها.

حتى رجم الجمرات، أراه أعمق من مجرد شعيرة رمزية. إنه إعلان حرب على الشيطان الداخلي قبل الخارجي، على الخوف، والهوى، والضعف، والعادات التي تلتهم أعمارنا بصمت.

ولعل أجمل ما في إبراهيم عليه السلام أنه لم يكن رجل إيمانٍ أعمى كما يصوره البعض، بل كان صاحب عقل متأمل وسؤال نقي. تأمل الكوكب، والقمر، والشمس، ثم وصل إلى الحقيقة الكبرى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.

بل حتى حين سأل ربَّه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾، لم يكن يشك، وإنما كان يبحث عن مزيد من الطمأنينة. وهذا درس بالغ الأهمية: ليس كل سؤال ضد الإيمان، أحيانًا يكون السؤال نفسه طريقًا أعمق إليه.

لهذا كله، أشعر أن الحج ليس مجرد انتقال من مدينة إلى مدينة، بل انتقال من نسخة قديمة من أنفسنا إلى نسخة أكثر نقاء. كل طواف سؤال، وكل سعي صبر، وكل رمية جمرات مواجهة مع الذات، وكل دعاء في عرفة محاولة أخيرة لأن يولد الإنسان من جديد.

إبراهيم عليه السلام لم يكن مجرد شخصية تاريخية بعيدة، بل تجربة إيمانية ما زالت البشرية تمشي داخلها حتى اليوم.

الكاتب والمترجم/ خلف بن سرحان القرشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى