مواسم الخير

موسم الحج

وليد الحداد

في كل عام، يحدث على هذه الأرض مشهدٌ يكاد يبدو مستحيلًا لو حُكي مجرد حكاية.

ملايين البشر، من لغاتٍ وأعراقٍ وثقافاتٍ شتّى، يتحركون في توقيتات متقاربة داخل مساحة محدودة، وفي ظروف مناخية وإنسانية معقدة، ثم يعود أغلبهم وهم يروون التجربة بدهشة، لا بوصفها رحلة دينية فحسب، بل بوصفها معجزة تنظيمية أيضًا.

الحج ليس مجرد موسم تعبدي، بل أكبر اختبارٍ عملي لقدرة الإنسان على إدارة الحشود دون أن يفقد إنسانيته.

تخيّل فقط: مشاعر تُضاء، وتُدار، وتُؤمَّن، وتُغذّى بالماء والكهرباء والاتصالات والنقل والإسعاف والخدمات الصحية، ثم تتحول خلال أيام إلى قلبٍ نابض يستقبل ملايين الخطوات والدعوات والقصص.

ورغم هذا العدد الهائل، يبقى أكثر ما يثير الدهشة هم أولئك الجنود المجهولون الذين لا تراهم الكاميرات كثيرًا: رجل الأمن الذي يقف لساعات تحت الشمس، يبتسم لحاجٍّ تائه لا يفهم لغته، والمسعف الذي يركض وسط الزحام لينقذ حياة شخص لا يعرف اسمه، والمهندس الذي يراقب حركة الحشود كما يراقب قائد أوركسترا سيمفونية ضخمة، والمتطوع الذي يوزع الماء بوجهٍ مرهق لكنه راضٍ، وكأن التعب هناك يتحول إلى عبادة أخرى.

في الحج، لا تتحرك الجموع بعشوائية كما قد يظن البعض، بل وفق علمٍ دقيق: خرائط تدفق، ومراقبة ذكية، وإدارة زمنية، وخطط تفويج، ومراكز تحكم، وشبكات تقنية هائلة تعمل في الخلفية بصمت، حتى يبدو المشهد للحاج بسيطًا وسلسًا.

وهنا تكمن العبقرية الحقيقية: أن تنجح المنظومة في إخفاء حجم التعقيد.

فالنجاح الأعظم لأي إدارة ليس أن يرى الناس الجهد، بل ألّا يشعروا بالفوضى أصلًا.

حتى رجال الأمن هناك لا يشبهون الصورة النمطية الجافة التي يعرفها الناس أحيانًا؛ تجد أحدهم يربّت على كتف حاجٍّ مُسن، وآخر يشرح الطريق بإشارات يدوية مضحكة لأن اللغة خانته، وثالثًا يحمل طفلًا ضائعًا وكأنه ابنه.

الحج يثبت كل عام أن التنظيم ليس مجرد قوانين وحواجز، بل أخلاق أيضًا.

وربما لهذا يبدو المشهد مدهشًا للعالم: كيف يمكن لملايين البشر أن يتحركوا بهذا الحجم من الانسيابية نسبيًا، بينما تعجز مدن كثيرة عن تنظيم مباراة كرة قدم دون فوضى؟

السر ليس في الإسفلت وحده، ولا في الأبراج، ولا في التقنية فقط، بل في عقلٍ إداريّ تعلّم عبر السنين أن إدارة الحشود ليست إدارة أجساد، بل إدارة خوفٍ، وتعبٍ، وحرارةٍ، ولهجاتٍ، وأعمارٍ، ومشاعر متباينة.

في الحج، ترى الإنسان في أضعف حالاته أحيانًا: مرهقًا، وتائهًا، وباكيًا، أو خائفًا من الزحام، ومع ذلك توجد منظومة كاملة تعمل كي يشعر بالأمان وسط هذا البحر البشري الهائل.

ولهذا فإن أعظم ما يلفت النظر في الحج ليس فقط كثرة الحجيج، بل قلة الفوضى مقارنة بضخامة المشهد.

إنه درس سنويّ للعالم كله: أن الإدارة حين تقترن بالإنسانية، يتحول المستحيل إلى مشهدٍ اعتيادي يتكرر كل عام، بينما يقف العالم متسائلًا بدهشة: كيف يمكن لكل هذا أن يحدث بهذا القدر من الانضباط؟

وفي النهاية، لا يترك هذا المشهد سؤالًا عن “كيف حدث؟” بقدر ما يترك سؤالًا أعمق: كيف يمكن لشيء بهذا التعقيد أن يستمر في العمل بهذا القدر من الصمت المنظّم، عامًا بعد عام، دون أن يفقد توازنه؟

بقلم/ وليد الحداد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى