إسبوعية ومخصصةالزوايا وأقلام

المدرسة العبثية والوجودية

أ.د. سناء الشعلان

العبث في معناه الشعبي يعني الهزلي والساخر أي الأمر غير المفهوم. وبمعناه المجرد يعني (عدم الاتفاق مع المعقول والمنطقي). وهو أيضاً يعني (خلو الحياة من أي معنى، وعدم خضوع الوجود لقوانين عقلية ولقواعد ثابتة بين طموحات الإنسان وواقع الحياة). فالإنسان عاجز عن السيطرة على الحماقات التي تنتظم هذا الكون وتجعل الإنسان عاجزاً عن فهمه وعن فهم أهدافه. أمّا معنى العبث الفلسفي فيذهب إلى أبعد من ذلك فهو يبحث في تلك العلاقة بين الله والإنسان، تلك العلاقة التي تجسد قلقه ومخاوفه إلى درجة حدت بالفيلسوف الألماني نيتشه للاعتقاد بأنّ الله قد مات –والعياذ بالله- ولم يعد له وجود في كتابه (هكذا تكلّم زرادشت) الذي نشر عام 1883 م.

 وقد كان الفيلسوف الدانمركي سورين كير كجارد أوّل من استعمل لفظ العبث، مؤكدًا أنّ المسيحية عبث؛ لأنه ليس ثمّة إنسان يستطيع أن يدّعي تفسير مبادئها عقلانياً، ومن هنا يظل الإيمان خارج الأطر الضيقة التي يرسمها العقل.

 ويؤمن جان بول سارتر، زعيم الوجوديين، (أنّ الأدب الحرّ الملتزم لا يمكن أن يعيش في ظل النظم الديكتاتورية) فالأديب يحتاج إلى أن يعيش تجربته، ثم يعبّر عنها بطريقة تحمل المتلقّي على التفكير بها والثورة على الأوضاع الراهنة، وبذا يكون قد أدّى رسالة الالتزام نحو أدبه، وإن توسّل بالعبث لذلك.

 وفكرة العبث قديمة جداً في التجربة الفلسفية والإنسانيّة. (ففي الفكر القديم تكلّم الأبيقوريون عن الآلهة التي تدير ظهرها لما يجري للناس؛ إذ إنّ أمامها أعمالاً أهمّ من الاهتمام بالبشر والعناية بمصيرهم).

 وقد ظهرت فكرة العبث في رواية سارتر (الغثيان) المنشورة عام 1938، وفيها يطرح بسردية غرائبية وعجائبية يتداخل فيها الحلم مع الواقع، والواقع مع المستحيل، عدم قدرة العقل على تفسير الوجود؛ (فالوجوديون، شأنهم في ذلك شأن أدباء القرن العشرين، لا يقدّسون الأطر القديمة والأشكال السابقة بل يعيدون النظر في كلّ الطرائق والأساليب ويحطّمون المألوف، ويحاولون خلق تقنيات جديدة). ويتجلّى فكرهم في معظم أعمال سارتر، ومنها: (الأيدي القذرة)، و(البغي الفاضلة)، و(موتى بلا قبور)، و(الدوّامة)، و(الذباب)، و(الحزن العميق)، و(دروب الحرية).

وقد تطوّر أدب العبث حتى صبغ المسرح العالمي بصبغته الخاصة، فأصبحت غايته ألاّ ينقل المعلومات، ولا يناقش طروحات، بل يرصد مواقف؛ فهو مسرح مواقف، يسعى لزعزعة التفاؤل المزيف ورفض الروتينية أو الآلية التي تسيّر الحياة، وتربك الأحياء أمام مشكلاتها. وهذا المسرح يبني عبثيته على غرابة الحدث الذي يلتقط صوراً ويخلطها بمواضيع أخرى لكي تعطي المشاهد انطباعاً عامًا ومعقدًا لحالة أساسية.

(والغرابة في العمل العبثي تبدو في اللغة أوّلاً، ثم في الأحداث غير المتوقعة وغير المنطقية ثانياً)، وهو عمل يطالب في الدرجة الأولى (بالعودة إلى الغرابة واللامنطق) اللذين يعبّران عن مجهودات الإنسان في محاولته للانسجام مع عالمه المحيط به، الذي يسمه بالغرابة، لذا يغدو أيّ سرد غرائبي أو سلوك تتماهى فيه الأحلام والسّحر واللامعقول مناسباً تماماً له. فالأدب الخيالي (عادة غير حسّاس، ولا يعالج قضية أخلاقية، ولكن في الوقت نفسه يعبّر عن اضطراب داخلي وعن كيفية الوصول إلى حقيقة واقعه وفهمه).

بقلم/ أ.د. سناء الشعلان (بنت نعيمة)

مقالات ذات صلة

‫50 تعليقات

  1. مقال ثري يسلط الضوء على مفهوم العبث من منظور فلسفي وأدبي عميق.
    طرح جميل يفتح باب التأمل في أسئلة الوجود والمعنى.

  2. تناول مميز لفكرة العبث وتطورها عبر المدارس الفكرية المختلفة.
    أحسنتم في تبسيط موضوع فلسفي معقد للقارئ.
    قراءة ممتعة تجمع بين الفلسفة والأدب في إطار معرفي متكامل.

  3. قراءة ممتعة تجمع بين الفلسفة والأدب في إطار معرفي متكامل.
    شكراً لهذا الطرح الراقي والغني بالمعلومات.

  4. المقال يبرز كيف تحولت فكرة العبث إلى تيار أدبي مؤثر.
    عرض متسلسل وواضح يستحق التقدير.

  5. أسلوب شيق في تناول قضية فلسفية طالما أثارت الجدل.
    مقال يدعو إلى التفكير والتأمل العميق

  6. طرح أكاديمي رصين يعكس ثقافة واسعة وإحاطة بالموضوع.
    كل الشكر على هذا الإثراء الفكري.

  7. المقال يوضح العلاقة بين العبث والبحث الإنساني عن المعنى.
    قراءة مفيدة وممتعة في آن واحد.

  8. من أجمل ما قرأت حول مفهوم العبث وأبعاده الفكرية.
    سرد متماسك ومعلومات قيمة.

  9. تناول موفق لفلسفة العبث وتجلياتها في الأدب والمسرح.
    مقال يثري العقل ويحفز التساؤل.

  10. عرض متوازن بين الجوانب الفلسفية والأدبية للموضوع.
    تحية لهذا الجهد المعرفي المتميز.

  11. تناول علمي وفكري يوضح جذور العبث وتطوره.
    مقال جدير بالاهتمام والنقاش.

  12. استطاع المقال أن يربط بين الفكر والأدب بمهارة.
    طرح يثري الثقافة العامة للقارئ.

  13. من المقالات التي تدفع القارئ إلى إعادة التفكير في كثير من المسلمات.
    قراءة تستحق التأمل.

  14. المقال يبرز قيمة الأدب في التعبير عن القلق الإنساني.
    تحليل عميق وممتع

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى