ما أقسى الوداع حين يكون لمكة، وما أثقل الخطوات حين تتجه بعيدًا عن البيت العتيق.
ها أنا أقف بين جموع الراحلين، أحمل حقيبتي على كتفي، لكن قلبي ما زال معلقًا بأستار الكعبة، يرفض الرحيل، ويأبى أن يغادر ذلك المكان الذي شهد دموع التوبة، وهمسات الدعاء، وانكسارات الروح بين يدي ربها.
أتممت طواف الوداع، لكنني لم أودع؛ #كيف يودع المرء موطن روحه؟ وكيف يفارق المكان الذي شعر فيه أنه أقرب إلى الله من أي وقت مضى؟
كنت أطوف حول الكعبة وكأنني أتشبث باللحظات الأخيرة. كل شوط كان رسالة حب، وكل خطوة كانت رجاءً صامتًا أن يطول اللقاء. نظرت إلى البيت الحرام طويلًا، نظرة من يعلم أن المسافات ستباعد بينه وبين هذا المشهد، لكنها لن تستطيع أن تنتزعه من قلبه.
في مكة يتغير كل شيء.. تذوب الفوارق بين الناس، وتسقط الألقاب، وتتوارى المناصب، فلا يبقى إلا عبدٌ ضعيف يقف بين يدي مولاه، يرجو رحمته ويخشى عقابه. هناك تتجرد الأرواح قبل الأجساد، وتتعلم القلوب معنى العبودية الخالصة.
رأيت وجوهًا من كل لون ولسان، اجتمعت على كلمة واحدة: “لبيك اللهم لبيك”. وكأن الأرض كلها جاءت إلى هذا المكان لتعلن أن القلوب مهما اختلفت أوطانها فإن وجهتها واحدة، وربها واحد، وأملها واحد.
ثم جاءت لحظة الرحيل.. اللحظة التي يخشاها كل حاج.
خرجت من المسجد الحرام، لكنني كنت ألتفت خلفي في كل بضع خطوات، كطفلٍ يغادر بيت أمه لأول مرة. كنت أريد أن أملأ عيني من الكعبة قبل أن تغيب عن ناظري، وأن أختزن في ذاكرتي كل حجرٍ وكل مئذنةٍ وكل نسمةٍ مرت بي في هذه البقاع المباركة.
رأيت جبال مكة شامخة كما كانت منذ قرون، شاهدة على دموع الملايين الذين جاؤوا مشتاقين ورحلوا مشتاقين أكثر.. وعندها أدركت سر هذا المكان؛ أنك لا تغادر مكة كما جئت إليها:
- تأتي إليها بقلب، وتعود بقلب آخر.
- تأتي مثقلًا بالدنيا، فتعود خفيفًا كأنك وُلدت من جديد.
- تأتي محمّلًا بالهموم، فتعود محمّلًا بالأمل.
- تأتي مشتاقًا إلى الله، فتعود أشد شوقًا إليه.
وداعًا يا مكة…
- يا مدينة سكنت الأرواح قبل القلوب.
- يا موطن النور الذي لا يخبو.
- يا قبلة العاشقين ومهوى أفئدة المؤمنين.
إن غادرتك الأقدام اليوم، فستبقى الروح عندك مقيمة، وسيبقى الدعاء يطرق أبواب السماء كل يوم:
اللهم لا تجعل هذا آخر العهد ببيتك الحرام، واكتب لنا عودةً بعد عودة، وزيارةً بعد زيارة، واجمعنا بمكة أعوامًا مديدة ونحن في صحةٍ وعافيةٍ وإيمان.
#فليس الوداع لمكة نهاية رحلة.
بقلم الدكتور/ فرح صديق



