إسبوعية ومخصصةالزوايا وأقلام

المنهج الأسطوري أداة لفكّ شيفرة النّصوص الأدبيّة 3/ 5

أ.د. سناء الشعلان

مفهوم المنهج الأسطوري:

فالمنهج الأسطوري هو ذلك المنهج الذي يتّخذ من الأدوات الأسطورية والإنثروبولوجية والتاريخية والأثرية أداة في تفسير النّص الأدبي وفكّ أسراره، وفهم مراميه، وإدراك غايته ورسالته. ولكي نفهم دلالة مصطلح المنهج الأسطوري، لا بدّ أن نشير إلى معنى المنهج ومعنى الأسطورة.

فالمنهج كلمة يستعملها أفلاطون، وتعني ” البحث أو النظر أو المعرفة، كما نجدها كذلك عند أرسطو أحيانًا كثيرة بمعنى بحث، والمعنى الاشتقاقي الأصلي لها يدلّ على الطّريق المؤدّي إلى الفرض المطلوب خلال المصاعب والعقبات، ولكنّه لم يأخذ معناه الحالي، أيّ بمعنى أنّه طائفة من القواعد العامة المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم إلاّ ابتداءً في عصر النهضة الأوروبية”(8)

أمّا النّهج والمَنْهَجُ والمنهاج في اللغة فهو: “الإبانة والوضوح والمنهاج الطريق الواضح. وطريق نهجٌ: بينٌ واضحٌ، وأنهج الطريق: وَضَح واستبان وصار نهجًا واضحًا بيّنًا. واستنهج الطريق: صار نهجًا. ونهجتُ الطريق: سلكته”(9).

وحسب هذا الفهم اللغوي يسير المنهج الذي يتبعه طالب العلم في خطّين متوازيين(10):

الأوّل: رسم معالمَ واضحة للطريق الذي سيسلكه الطالب في النّص الذي يدرسه أو القضية التي يبحثها، أيّ وضع خُطّةً مفصّلة تمكّنه من الانتهاء إلى غايته.

الثاني: الطريقة التي يتبعها الطّالب في إنفاذ خُطّته.

والمنهج الذي يتبناه الإنسان يحتاج إلى امتلاك أدواته المنبثقة من طبيعة النّص، وإلاّ أصبح المنهج عبئًا على صاحبه، لا عونـًا له في الفهم وفي التفسير. وفي ذلك يقول كلود برنار: “إنّ المناهج لا يُمكن أن تُدرس نظريًا كقواعد عامة يُفرض على العالِم أن يسير وفقًا لها، إنّما تتكوّن في داخل المعمل الذي هو معبد العلم الحقيقيّ وباب الاتصال المباشر بالوقائع والتّجارب العملية، والتعاليم النّافعة هي وحدها تلك الصادرة عن التفاصيل الخاصّة بالممارسة التجريبية في علم معيّن بالذات”(11).

الأسطورة:

لا بدّ عند التكلّم عن موضوع (المنهج الأسطوري) أن نضع حدودًا لمصطلح أسطوريّ، لننطلق منه إلى ضبط أبعاد النّص الذي ندرسه في ضوء هذا المنهج.

والأسطورة مصطلح شغل الكثير، وتصدّى الكثير لمحاولة ضبطه ورسم حدوده، كما تصدّرت كثير من الدراسات والمصنّفات في سبيل التأصيل لهذا المصطلح، ولمحاولة دراسة منابع الأسطورة وأشكالها ودوافعها.

يعرّف عماد الخطيب الأسطورة قائلًا: “الأسطورة أيّة حكاية تقليدية تروي وقائع حدثت في بداية الزمان، وتهدف إلى تأسيس أعمال البشر الطقوسية حاضرًا، وبصفة عامّة إلى تأسيس جميع أشكال الفعل، والفكر، التي بواسطتها يُحدِّد الإنسان موقعه من العالم”(12).

وقد أوضحت دراسة جديدة عن الأسطورة “أنّها نظام هام لنقل المعلومات، وتنتقل قيمتها من الماضي إلى الحاضر”(13).

أمّا خليل أحمد خليل، فيعرّف الأسطورة بأنّها(14) “حكاية عن كائنات تتجاوز تصوّرات العقل الموضوعي، وما يميّزها عن الخرافة هو الاعتقاد بها، فالأسطورة هي موضوع اعتقاد.”

ويعرّف أحمد كمال زكي الأسطورة بقوله(15): “الأسطورة عندنا اليوم لا تخرج عن أن تكون قصّة خياليّة قوامها الخوارق والأعاجيب التي لم تقع في التاريخ، ولا يقبلها العقل، حتى إنّنا عندما نريد أن ننفي وجود أيّ شيء نقول عنه أسطوري”.

كذلك يعرّف فراس السّواح الأسطورة قائلًا: “إنّ الأسطورة هي حكاية تقليدية تلعب الكائنات الماورانية(16) أدوارها الرئيسية”؛ ويكوّن فراس السّواح رأيًا خاصًا في ضبط حدود مصطلح أسطورة أو عمل أسطوري، وتتلخّص هذه الضوابط في(17):

من حيث الشكل، الأسطورة هي قصة، وتحكمها مبادئ السّرد القصصي من حبكة وعقدة وشخصيات، وما إليها، وغالبًا ما تجري صياغتها في قالب شعري يساعد على ترتيلها في المناسبات الطقسيّة وتداولها شفاهة، كما يزوّدها بسلطان على العواطف والقلوب.

يحافظ النّص الأسطوري على ثباته عبر فترة طويلة من الزمن، وتتناقله الأجيال طالما حافظ على طاقته الإيحائية بالنسبة إلى الجماعة.

لا يُعرف للأسطورة مؤلِّف معيّن؛ لأنّها ليست نتاج خيال فردي، بل ظاهرة جمعية يخلقها الخيال المشترك للجماعة وعواطفها وتأملاتها.

يلعب الآلهة وأنصاف الآلهة الأدوار الرئيسية في الأسطورة، فإذا ظهر الإنسان على مسرح الأحداث كان ظهوره مُكمّلًا لا رئيسيًا.

تتميّز الموضوعات التي تدور حولها الأسطورة بالجديّة والشّمولية، وذلك مثل التّكوين والأصول والموت والعالم الآخر، ومعنى الحياة وسرّ الوجود.

تجري أحداث الأسطورة في زمن مقدّس هو غير الزمن الحالي ومع ذلك فإنّ مضامينها أكثر صدقًا وحقيقيةً، بالنسبة للمؤمن من مضامين الروايات التاريخيّة.

ترتبط الأسطورة بنظام دينيّ معيّن، وتعمل على توضيح معتقدات، وتدخُل في صلب طقوسه، وهي تفقد كل مقوماتها كأسطورة إذا انهار هذا النظام الديّني، وتتحوّل إلى حكاية دنيوية تنتمي إلى نوع آخر من الأنواع الشبيهة بالأسطورة.

تتمتّع الأسطورة بقدسية وبسلطة عظيمة على عقول النّاس ونفوسهم، والسّطوة التي تمتّعت بها الأسطورة في الماضي، لا يدانيها سوى سطوة العلم في العصر الحديث.

بقلم/ أ.د. سناء الشعلان (بنت نعيمة)

=====================

8 – السيد تقي الدين – أصول البحث الأدبي ومناهجه، (ط1)، دار نهضة مصر، القاهرة، 1984، ص (145).

9 – ابن منظور – لسان العرب، (ط1)، ج 2، دار صادر للنشر، بيروت، 1968، ص (383-384).

10 – جاسر أبو صفية – مقالة بعنوان: أثر المنهج في صقل الطالب علميًا، مقالة مخطوطة.

11 – السيد تقي الدين – أصول البحث الأدبي ومناهجه، مرجع سابق، ص (146).

12 – عماد الخطيب – الصورة الفنيّة في المنهج الأسطوري لدراسة الشّعر الجاهلي دراسة تحليلية نقدية، (ط1)، مكتبة الكتاني، عمان، 2002، ص (36).

13 – انظر. المرجع نفسه، ص (36-43).

14 – خليل أحمد خليل – مضمون الأسطورة في الفكر العربي، (ط1) دار الطليعة، بيروت، 1973، ص (80).

15 – أحمد زكي – الأساطير، دراسة حضارية مقارنة، (ط1)، مكتبة الشباب، القاهرة، 1975، ص (107).

16 – فراس سوّاح – الأسطورة والمعنى، (ط1) منشورات دار علاء الدين، دمشق، 1997، ص (8).

17 – انظر: المرجع نفسه، ص(12-18).

مقالات ذات صلة

‫41 تعليقات

  1. قراءة ممتعة وعميقة، الدكتورة (بنت نعيمة) تقدم دائماً إضافة حقيقية للوعي الأدبي

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى