متحف الحضارات المتوسطية.. جسر ثقافي فريد

على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، وتحديداً عند مدخل المرفأ القديم لمدينة مارسيليا الفرنسية، يرتفع مبنى يجمع بين عراقة التاريخ وجرأة الهندسة الحديثة؛ إنه متحف الحضارات الأوروبية والمتوسطية (MuCEM). يُعد هذا الصرح الثقافي، الذي افتتح بالتزامن مع اختيار مارسيليا عاصمة للثقافة الأوروبية، أول متحف وطني فرنسي يخصص بالكامل للحضارات المتوسطية، ليصبح رمزاً للتلاقح الثقافي بين الشرق والغرب كما تنقل لنا صحيفة هتون الإلكترونية المهتمة بالثقافة والفنون.
معجزة هندسية تمزج الضوء بالبحر
يتميز المتحف بتصميمه المعماري المبتكر الذي أشرف عليه المهندس المعماري الشهير رودي ريتشيوتي. المبنى عبارة عن مكعب مغطى بشبكة مخرمة من الخرسانة فائقة الأداء تشبه الدانتيل، مما يسمح لـ أشعة الشمس المتوسطية بالمرور عبرها لترسم ظلالاً متحركة على الجدران الداخلية، بينما يربطه جسر معلق طويل يمتد فوق مياه البحر بقلعة “سان جان” الأثرية التي تعود للقرن السابع عشر، في تمازج ساحر يربط العمارة المعاصرة بالتاريخ العريق للمدينة.
![]()
مرآة لتاريخ وثقافات المتوسط
لا يقتصر المتحف على كونه تحفة بصرية، بل هو منصة معرفية ضخمة تستعرض تاريخ شعوب المتوسط من خلال زوايا متعددة تشمل الأنثروبولوجيا، وعلم الآثار، والتاريخ، والفن المعاصر. حيث يتيح للزوار اكتشاف المعارض المؤقتة والقطع الأثرية والفنية النادرة التي تروي قصصاً عن تطور الزراعة والملاحة، وكيف تبادلت الشعوب السلع والأفكار عبر البحر، بالإضافة إلى الجذور المشتركة والتنوع الفكري لبلدان الحوض، والأدوات والتقاليد الشعبية التي تربط ضفتي المتوسط.

ملتقى حي للفن والحوار
أكثر من مجرد مخزن للآثار، تحول (MuCEM) إلى مساحة حية للنقاش وتبادل الأفكار من خلال تنظيم ندوات فكرية وعروض وحفلات موسيقية بانتظام. إنه فضاء مفتوح يستقبل ملايين الزوار سنوياً، ليس فقط لمشاهدة المعروضات، بل للاستمتاع بالسير على الجسور المعلقة المقاومة للجاذبية، وتأمل الأفق البحري الذي يربط بين أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، مذكراً الجميع بأن هذا البحر كان وسيظل مهداً للحضارة الإنسانية.




