قراءة في كتاب “أدب أبي العلاء المعريّ لعبد القادر زيدان” (7/ 7)
أ.د. سناء الشعلان
العزلة في حياة أبي العلاء:
أطال الدارسون الحديث عن عزلة أبي العلاء، وكيف أنّه أعلن قراره بهذه العزلة على أهل المعرة في صورة رسالة، أو قلْ: بيانٍ لا يخلو أسلوبه من صراحة يغلّفها الأدب، والأسى، ولكنّهم يتحدثون مع ذلك عن فشل أبي العلاء في الحصول على هذه الأمنية، وعدم تحققها كما كان يود ويرغب. ومنهم من يرجع ذلك الفشل إلى أن العزلة التامة لم تكن ميسورة لأبي العلاء، وإنّما كانت أمنية ضائعة، فإنّه وإن زهد في كلّ ملذات الحياة، لا يستطيع أن يزهد في العلم والتأليف، اللذين قد ملكاه واستأثرا به. وكلاهما يكلّفه عِشرة الناس، لاحتياجه إلى من يقرأ له، ويكتب عنه.
والواضح أنّ ما ذهب إليه الباحثون من حديث عن عزلة أبي العلاء لا يؤكدها بل ينفيها. أي إنّ في فكرة العزلة التي ارتبطت بأبي العلاء، عمّا جرى له ذكر، تهويلاً، حتى أصبحت من المسلّمات.
إننا لو تأملنا عزلة أبي العلاء، لما وجدنا فرقاً كبيراً بينها وبين عزلة الدارسين والباحثين على مرّ العصور، مع اختلاف قد تمليه الظروف، أو يمليه العصر ودواعيه.
ولكن يبدو أنّ أبا العلاء قد عاش عزلة نفسية مثل عزلة أيّ إنسان له بصيرة واعية لواقع مضطرب ومشوش. فأبو العلاء يكشف لنا عن الصلة بين المعايير التي تسود في عصر من العصور، وما يعتري الفنان المبدع من رغبة دفينة في العزلة التي قد يكون فيها قدر من حماية له من الإسفاف والابتذال السائد، فضلاً عن فكرة العزلة الكامنة في فعل الصبر، هذه العزلة الصابرة التي تحول بين الإنسان الذي لديه الشعور الحاد بالذات كأبي العلاء، والخوض فيما يخوض فيه أفراد عصره من نشاط وسلوك.
ويبدو أنّ فشل أبي العلاء في إحراز أيّ تحقق عيني للذات، لم يكن هو العامل الوحيد وراء انسحابه وإيثاره العزلة، فالنصوص العلائية تكشف لنا عن عامل آخر يقف وراء عزلته يتمثل فيما كان يحمل في جوانبه من حبّ مفرط للحياة، وعجز مدمر يحول بينه وبين أن يحدث نوعاً من المصالحة بين ذاته المحبة والوجود المرغوب.
التشاؤم في رؤية أبي العلاء:
يشيع التشاؤم في أدب أبي العلاء ابتداءً من مرثيته المشهورة للفقيه الحنفي انتهاءً بمواقفه من الإنسان والحياة، والموت هو النفس التشاؤمي الذي يسيطر على نزعته التشاؤمية، والموت مشكلة من المشاكل التي أخذت عند أبي العلاء صوراً متعددة من صور التناول، فنراه ينظر إليه بوصفه وسيلة للخلاص أو التحرر من الحياة، فعن طريقه يستطيع الإنسان أن يحصل على الأمان المفتقد في دنيا البشر، كما أنّه يرى في الموت حائلاً بينه وبين ما يريد تحقيقه.
وهذه النزعة التشاؤمية تصبغ نظرته إلى الدنيا، فهو يمقتها، ولا ينسى هجوها، وإن كان هجاؤه المستمر لا يدع مجالاً لحديث عن حبِّ لها كان يضمره حيناً ويصرح به أحيانًا أخرى.
لم يكن حظ الإنسان مع أبي العلاء بأحسن من حظ الدّنيا معه، فقد عاش أبو العلاء معلناً سخطه، ليس على إنسان عصره فحسب، بل على الإنسان في عمومه، مؤصلاً طبيعة الشرّ منذ بداية الخليقة، متشائماً من إمكانية إصلاحه أو التغلب على ما رُكِّز في تكوينه منذ البدء من خسّة وانحطاط ونفاق وتملّق، إلى آخر هذه المفردات الدّالة على موقف لا يخلو من قسوة ورؤية تدعو إلى اليأس، بل تؤصله حول مستقبل الإنسان.
على أية حال، لقد فقد أبو العلاء إيمانه بالإنسان أولاً، لما وجد في حياته من فجوة عميقة لا يمكن تجاوزها بين قوله وفعله، بلا فارق يذكر في المستوى الذي يحله الإنسان في السلّم الاجتماعي والثقافي والديني، وفقد إيمانه به ثانياً، عندما وجد أنّ نزعة الشّر لها الهيمنة على سلوكه وأفعاله. وقد أدّى ذلك كلّه إلى شعور حزين بالإحباط من إمكانية إصلاح ذلك الإنسان، بل تعدى الموقف عنده إلى نظرة تراجيدية مليئة بالتشاؤم على مصيره.
وفقد إيمانه بالحياة لما مُني بها من إحباط حال بينه وبين إمكان تحقق ذاته في حين جاء فيها من لا يستحق، بما يفوق ما يأمل وينبغي. ثم نراه ينتهي إلى إيمان أكيد بعبثية المحاولة لأيّ تحقق في الدّنيا؛ لما طبعت عليه من نقصان يحول بين الإنسان ونشدان أيّ نوع من اكتمال قد يراوده.
وقفة عند كتاب عبد القادر زيدان:
إنّ وقفة متأملة في كتاب قضايا العصر في أدب أبي العلاء المعري تقودنا بكلّ يسر إلى تقدير ذلك الجهد الجبار الذي قام به الكاتب في كتابه، فقد مهّد لموضوعه بتغطية واسعة لقضية العصر والمثقف، كما أنّه توافر على عدد ضخم من المراجع والمصادر التاريخية واللغوية والنّقدية والنّفسية التي تحيط بالمادة النظرية لكتابه.
وفضلاً عن كلّ ما ذكر فقد تصدّى الكاتب لنتاجات أبي العلاء وطفق يهضمها ويبرز فيها ما وقع عليه بعد أن صنّفه ضمن موضوعات وقضايا.
والكاتب في كتابه وإن كان جامعاً مصنفاً صاحب جلد ودقة، إلا أنّه صاحب نظرة خاصة، ورؤية نقدية قوامها الذوق الأدبي الرائق، والدّراسة الطّويلة لنصوص المعري، فهو يورد الكثير من آراء من سبقوه من الدارسين ويفنّدها أو ينقضها بعد أن يقدّم الحجة والبرهان لذلك بأدب جم دون تعصب أو تحامل.
والكاتب يسمح لنا بأن نقرأ أبا العلاء قراءة جديدة بعد أن تصدّى للكثير من التهم الموجهة لأبي العلاء، ورد الكثير منها، وفنّد وعلق على ذلك بما أتاحت له ثقافته الواسعة. ويجوز لنا أن ندعي أنّ الكتاب في أحد مستوياته الإبلاغية والقيمية وثيقة دفاع وتبرئة للمعرّي من بعض التّهم المنسوبة إليه.
وعلى الرغم من أن الكاتب يمتح من أدب معري شُهد له بالبلاغة، وأحياناً بالغرابة والصّعوبة، إلا أن عبد القادر زيدان يستطيع أن يعرض علينا ثقافة المعري وفكره بلغة سهلة رائعة مشرقة توصل ولا تخلّ.
بقلم/ أ.د. سناء الشعلان (بنت نعيمة)



