إسبوعية ومخصصةالزوايا وأقلام

بلاغٌ عاجل: الرجاء عدم العبث بإعدادات القلب

وليد الحداد

في صباحٍ لم يكن يشبه أيَّ صباحٍ قبله، استيقظتُ وأنا أحمل يقينًا غريبًا بأن حياتي ستنقلب رأسًا على عقب قبل حلول المساء. لم أعرف السبب، لكنني كنت أشعر أن الكون قد ضاق حتى صار بحجم زرٍّ صغير، وأن ذلك الزر ينتظر إصبعًا متهورًا ليضغطه.

بعد سنوات، حين أصبحتُ أضحك كلما تذكرتُ ذلك اليوم، أدركتُ أن الكوارث الكبرى لا تبدأ بانفجار، بل بخيالٍ بريء يهمس لصاحبه: «ماذا لو كان للقلب قائمة إعدادات؟»

كانت الفكرة كافية لتجرّني إلى مكانٍ لم أجد له عنوانًا في أي خريطة.

وصلتُ إلى مبنى رمادي قديم، تعلو بابه لافتة باهتة كُتب عليها:

«الهيئة العامة لتنظيم المشاعر، قسم الصيانة وإعادة الضبط.»

كان الطابور طويلًا بصورة تدعو إلى الشفقة والضحك معًا.

شابٌّ يحمل قلبًا في كيسٍ شفاف، يطلب استبداله لأنه وقع في الحب قبل انتهاء الضمان.

وامرأةٌ غاضبة تصرخ في الموظف لأنها اكتشفت أن زوجها حدَّث مشاعره إلى إصدارٍ أحدث دون أن يخبرها.

ورجلٌ مسنٌّ يطلب استرجاع نسخةٍ احتياطية من شبابه، بعدما اكتشف أن الحكمة جاءت متأخرة، كسيارة إسعاف وصلت بعد انتهاء الجنازة.

أما أنا، فقد دخلتُ بثقة المذنب الذي يحاول أن يبدو بريئًا.

ناولني الموظف استمارةً طويلة، وقال بلهجةٍ مملّة اعتاد بها استقبال المنكسرين:

ــ حدّد المطلوب.

كتبتُ دون تردد:

القلب: تقليل الحساسية إلى الحد الأدنى.

العقل: منحه صلاحية إيقاف العاطفة عند الطوارئ.

الإعجاب: لا يعمل تلقائيًا، بل بعد ثلاث موافقات وختمٍ رسمي.

التصور: منع بناء المستقبل من ابتسامة.

التفكير المنطقي: تشغيل دائم.

التفكير غير المنطقي: يُفعّل مرةً واحدة في السنة، في إجازة رسمية.

الحالة الاجتماعية: تُفحص قبل التعلّق، لا بعده.

الحالة النفسية: تظهر على الشاشة قبل الدخول في أي علاقة، مثل نشرات الطقس.

الحالة المادية: تمنع القلب من شراء الوعود بالدَّين.

رفع الموظف رأسه، وابتسم ابتسامةً يعرفها كل من يعمل في استقبال الخائبين، ثم قال:

ــ الطلب ممتاز… بقي بندٌ واحد.

سألته:

ــ أيُّ بند؟

قال وهو يشير إلى الشاشة:

«زر النسيان.»

ساد الصمت.

شعرتُ أن الغرفة كلها تنظر إليّ.

قلتُ بثقةٍ مصطنعة:

ــ نعم… أريده.

سألني:

ــ هل أنت متأكد؟

أجبته بسرعة من يخشى أن يتراجع:

ــ أكثر من أي وقتٍ مضى.

ضغط الموظف بضعة أزرار، ثم التفت إليّ قائلًا:

ــ بقيت خطوة أخيرة…

افتح مجلد «الحذف».

فتحته.

فإذا بالشاشة تمتلئ بأسماءٍ أعرفها، وضحكاتٍ نسيتُ أنني ما زلتُ أحتفظ بصداها، ورسائلَ كنتُ أُقسم أنني محوتها، ووجوهٍ كانت سببًا في أسوأ أيامي… وأجملها أيضًا.

قال الموظف بهدوء:

الحذف لا يختار الألم وحده.

كلُّ ذكرى موجعة مرتبطة بذكرى جميلة.

كلُّ خيبةٍ صنعت حكمة.

كلُّ وداعٍ أنجب نسخةً جديدة منك.

إذا ضغطتَ زرَّ الحذف، فلن نمحو الأشخاص فقط…

سنحذف الشخص الذي أصبحتَه بسببهم.

تراجعتُ خطوة.

ثم أخرى.

وأغلقتُ الشاشة.

ضحك الموظف وقال:

يحدث هذا يوميًا.

الجميع يطلب النسيان…

ولا أحد يوافق على ثمنه.

خرجتُ من المبنى مرتبكًا.

وحين التفتُّ خلفي لأتأكد من عنوانه، لم أجد شيئًا.

اختفى المبنى.

واختفى الطابور.

واختفت اللافتة.

حتى الطريق الذي جئتُ منه لم يكن هناك.

عدتُ إلى حياتي كأن شيئًا لم يحدث.

لكن شيئًا واحدًا تغيّر إلى الأبد.

كلما تمنيتُ أن أنسى أحدًا، تذكرتُ ذلك الموظف، وأدركتُ أن الذاكرة ليست مخزنًا للوجع، بل ورشةُ البناء السرية التي صنعتني.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أغضب من قلبي لأنه لا يعرف النسيان.

فالقلب ليس جهازًا تعطّل، ولا تطبيقًا يحتاج إلى إعادة ضبط…

إنه الأثر الوحيد الذي يصرّ الزمن على كتابته داخلنا بالحبر الذي لا يُمحى، حتى لا نخرج من الحياة أخفَّ ألمًا… وأفقر معنى.

بقلم/ وليد الحداد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى