إسبوعية ومخصصةالزوايا وأقلام

إدارة الأشغال العامة للقلب

وليد الحداد

في المرة القادمة التي سأقع فيها في الحب، لن أحمل وردة، ولن أرتدي قميصًا جديدًا، ولن أتأنق كما يفعل الحمقى الذين يظنون أن العطور تُقنع القلوب.

سأحمل خوذةً صفراء، وسترةً فسفورية، وحذاءً مقاومًا لانهيارات المشاعر.

لقد تعلمت الدرس، لكن بعد أن دفعت رسوم الدورة كاملة.

بدأت الحكاية في صباحٍ بدا عاديًا إلى درجة الريبة. كانت السماء تمارس حيادها الأزرق، والعصافير تؤدي واجبها الوظيفي في التغريد، بينما كنت أسير نحو قلبي كما يسير موظف البلدية لتفقّد شارعٍ قديم لم يُرمَّم منذ سنوات.

هناك… عند الحافة.

وجدت لوحةً ضخمة لم أرها من قبل.

«انتبه… أعمال تطوير داخل القلب. نعتذر عن أي تأخير في وصول المشاعر.»

ضحكت.

قلت في نفسي: لا بد أن أحد الشعراء عبث بهذه اللافتة بعد ليلةٍ سيئة.

لكنني حين اقتربت أكثر، رأيت حفاراتٍ عملاقة، ورافعاتٍ تمتد أذرعها بين الضلوع، وعمالًا يرتدون خوذات كُتب عليها:

«مقاول المشاعر المعتمد.»

لم يكن أحد يبالغ.

كانوا يحفرون فعلًا.

اقتربت من أحدهم وسألته:

ــ ماذا يحدث هنا؟

رفع رأسه، ومسح العرق عن جبينه، وقال بنبرة موظفٍ حفظ التعليمات عن ظهر قلب:

ــ استبدال كيابل الشوق.

قلت:

ــ ولماذا؟

قال:

ــ انتهى عمرها الافتراضي.

هذه الأسلاك القديمة كانت تنقل الاشتياق بسرعة الرسائل الورقية؛ يحتاج الحنين فيها أسبوعًا ليصل، والاعتذار شهرًا، أما الندم فيصل بعد فوات الأوان.

أما اليوم، فقد صدرت مواصفات جديدة.

سنركّب أليافًا عاطفية فائقة السرعة.

مجرد أن يخطر اسمها ببالك… يصل الحنين قبل الفكرة نفسها.

وقفت مذهولًا.

تذكرت أول قلبٍ سكنته.

أيامها لم تكن التكنولوجيا قد تدخلت في العلاقات.

كان الاشتياق يمشي على قدميه.

وكان الانتظار يحتاج إلى صبر الأنبياء.

وكنا نختلف، ثم ننام، ثم نستيقظ، فنكتشف أن الغضب مات وحده من التعب.

أما اليوم…

فبكبسة إشعارٍ صغيرة، يستطيع شخص أن يهدم مدينةً كاملةً داخل صدرك.

ضحكت بيني وبين نفسي.

حتى الحنين أصبح يعمل بتقنية الجيل الخامس.

أخذني المهندس المسؤول في جولة.

قال:

ــ هنا كانت غرفة الثقة.

أشرت إلى الفراغ.

ــ لكنها غير موجودة.

قال، وهو يكتب شيئًا في دفتره:

ــ أزلناها بعد آخر علاقة.

لم تعد مطابقةً لمعايير السلامة.

ثم أشار إلى حفرةٍ أخرى.

ــ هنا كان يسكن الاطمئنان.

لكن الرطوبة الناتجة عن كثرة الانتظار أتلفت أساساته.

أما هنا…

فهذا خط الطوارئ.

كان مخصصًا للاعتذارات الصادقة.

للأسف، لم يُستخدم منذ سنوات، فأصابه الصدأ.

واصلت السير.

رأيت عمالًا ينقلون صندوقًا خشبيًا صغيرًا بكل عناية.

سألتهم:

ــ ماذا بداخله؟

همس أحدهم:

ــ أول رسالةٍ احتفظت بها.

احذر أن تقع.

لو انكسرت، ستنتشر رائحتها في القلب كله، وسنحتاج أسبوعين لإعادة السيطرة على الذكريات.

وفي الزاوية المقابلة، كان فريقٌ آخر يلفُّ ضحكةً قديمة داخل غلافٍ مضادٍ للنسيان.

وعاملٌ مسنٌّ يجلس وحده ينظف إطار صورة.

اقتربت منه.

قال قبل أن أسأل:

ــ أنا مسؤول قسم الغبار.

أزيل الغبار عن الذكريات…

لا عنها.

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان.

دوّى إنذارٌ أحمر.

ركض الجميع.

صاح أحدهم:

ــ توقّفوا… لقد عاد اسمٌ قديم إلى ذاكرته!

وفي أقل من ثانية، اهتزّت الجدران.

ارتفعت نسبة الحنين.

وانفجر أحد الأنابيب.

اندفعت الذكريات في كل الاتجاهات.

رائحة قهوة.

مقعدٌ خشبي.

رسالة لم تُرسل.

ضحكة في مساءٍ شتوي.

ومعطفٌ لا يزال يحتفظ بعطرٍ لم يعد له صاحب.

أما أنا…

فكنت أقف وسط الفيضان، أضحك.

ليس لأن الأمر مضحكًا…

بل لأن الإنسان، حين يعجز عن إنقاذ قلبه، يبدأ بالسخرية منه.

بعد ساعات، هدأ كل شيء.

عاد العمال إلى أماكنهم.

وأعاد المهندس ترتيب المخططات.

ناولني ورقةً رسمية.

كانت أشبه بتقرير استلام مشروع.

قرأت فيها:

«تم تحديث نظام القلب بالكامل.

لكننا نعتذر عن عدم قدرتنا على إزالة احتمال الانكسار.

فالخلل ليس في التمديدات…

بل في المستخدمين.»

خرجت من هناك مع غروب الشمس.

كانت المدينة مزدحمة كعادتها، والسيارات تتذمر بأبواقها، والناس يركضون خلف مواعيدهم، بينما كنت أفكر في أغرب حقيقة اكتشفتها في حياتي.

لقد أمضت البشرية آلاف السنين وهي تطوّر الطرق والجسور، ومدّت الكابلات تحت البحار، وأطلقت الأقمار الصناعية إلى الفضاء، حتى صار الصوت يعبر القارات في جزء من الثانية…

لكنها، رغم كل هذا التقدم، لم تستطع حتى اليوم أن تخترع تمديدًا واحدًا يمنع إنسانًا من أن يهدم قلب إنسانٍ آخر بكلمة.

وربما لأن القلب لم يُخلق ليكون مبنًى يُحصَّن ضد الانهيار، بل نافذةً مفتوحة.

فالبيوت التي لا تدخلها الرياح لا يسكنها الهواء…

والقلوب التي لا تعرف احتمال الكسر، لا تعرف أيضًا معنى أن تنبض.

من الناحية اللغوية، النص سليم بعد هذه المراجعة، مع الحفاظ على أسلوبه الأدبي ومحتواه دون أي تغيير.

بقلم/ وليد الحداد

مقالات ذات صلة

‫70 تعليقات

  1. أدوات السلامة المهنية للقلب أصبحت فرضاً في زمن باتت فيه الانهيارات مفاجئة وبدون إنذار.

  2. ألياف الشوق فائقة السرعة تقتل متعة الانتظار التي كانت تمنح الحب نكهته القديمة.

  3. انتبه من ذلك الاسم القديم، فجرعات الحنين الزائدة قادرة على تدمير أحدث الأنظمة الأمنية.

  4. ليتنا نستطيع استيراد قطع غيار أصلية للاطمئنان الذي أتلفت الرطوبة والانتظار أساساته.

  5. مقاربة عبقرية بين التحديث التكنولوجي وجفاف العلاقات الإنسانية في عصرنا الحالي.

  6. كلفة الدورة كانت باهظة بلا شك، لكن الخروج بهذه الحكمة يوازي ثمن الرسوم وزيادة.

  7. الصندوق الخشبي الذي يحوي الرسالة الأولى يجب أن يُدفن عميقاً كي لا يتسرب عبيره مجدداً.

  8. هندسة المشاعر أصعب بكثير من بناء ناطحات السحاب، لأن القلوب لا تملك مخططات هندسية ثابتة.

  9. أسلوبك في تشريح الخيبة بأدوات المقاولات جعل الألم يبدو ملموساً ومرئياً بوضوح.

  10. الضحكة القديمة المغلفة ضد النسيان هي الكنز الوحيد الذي يستحق الإنقاذ من تلك الورشة.

  11. عندما ينفجر أنبوب الذكريات، لا توجد خوذة في العالم قادرة على حمايتك من شظايا الحنين.

  12. استبدال كيابل الشوق بالألياف الضوئية جعلنا نصل للوجع بسرعة خيالية لم نكن مستعدين لها.

  13. ما زال عطر المعطف القديم يملك سلطة كسر كل القوانين والتحذيرات التي وضعها العمال.

  14. نص يتحرك بين الفكاهة السوداء والواقعية المريرة، ليصنع لوحة مشاعر معاصرة بامتياز.

  15. الاندفاع المفاجئ لرائحة القهوة والمقعد الخشبي يثبت أن الحنين لا يمكن برمجته أبداً.

  16. ليتنا نملك حذاءً مقاومًا لانهيارات المشاعر فعلياً، لنسير به في ممرات العلاقات الشائكة.

  17. العمال في قلبك كانوا يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن الماضي كان أسرع من خططهم.

  18. غلاف مضاد للنسيان هو اختراع نحتاجه جميعاً لحماية اللحظات التي تمنحنا القوة لنعيش.

  19. المقارنة بين الماضي البسيط والحاضر المعقد تظهر كم فقدنا من آدميتنا بسبب التكنولوجيا.

  20. الرسائل الورقية كانت تحمل أرواحنا، أما رسائل اليوم فهي مجرد نبضات رقمية باردة.

  21. الحمقى يتأنقون بالعطور، والوعود الزائفة تتكفل بالباقي، حتى تأتي لحظة الحقيقة العارية.

  22. إنذار أحمر في الذاكرة يعني أن المعركة بين العقل والعاطفة لم تُحسم بعد لصالح الخوذة.

  23. يبدو أن مواصفات السلامة الجديدة ستجعل القلب حصيناً ولكن ربما تجعله قاحلاً أيضاً.

  24. حياكة التفاصيل البسيطة مثل المقعد الخشبي والمعطف جعلت الخاتمة تلامس الوجدان بشدة.

  25. العصافير التي تؤدي واجبها الوظيفي، صورة رائعة عن رتابة الحياة قبل حدوث الصدمات.

  26. انتهاء العمر الافتراضي لكيابل الشوق يعني أننا بحاجة لإعادة تعريف الحب في عصرنا.

  27. ط طوارئ الاعتذارات الذي أصابه الصدأ يعكس كبرياءً متبادلاً دمّر العلاقة ببطء.

  28. ارتداء السترة الفسفورية في المرة القادمة هو إعلان واضح بأنك لم تعد متاحاً للخسارة.

  29. النص يسخر من التكنولوجيا لكنه يحمل حنيناً جارفاً لزمن المشي على الأقدام والصبر.

  30. الضحكة القديمة الملفوفة بعناية هي السلاح السري الذي نلجأ إليه في ليالي البرد.

  31. اهتزاز الجدران عند سماع الاسم القديم يثبت أن الترميم كان خارجياً والأساس ما زال مهزوزاً.

  32. مقاول المشاعر يحتاج إلى مراجعة حساباته، فالمواصفات الجديدة لم تصمد أمام أول اختبار.

  33. يبدو أن المعطف الذي يحتفظ بالعطر سيبقى هو الحاكم الفعلي لهذا القلب رغم التحديثات.

  34. الدرس كان قاسياً والرسوم باهظة، لكن النص يثبت أنك أصبحت كاتباً برتبة مهندس مشاعر.

  35. العمال هربوا عند سماع الإنذار، لأنهم يعلمون أن الاسم القديم قوة قاهرة لا تصدها المواصفات.

  36. في المرة القادمة لن تقع، لأن الخوذة والسترة ستذكرك دائماً بثمن الرسوم التي دفعتها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى