الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل التراث الشفهي

في عصرٍ تتسارع فيه خطى التكنولوجيا، يقف الموروث الثقافي الشفهي أمام تحدي البقاء أو التحول الرقمي. لم يعد حفظ التاريخ مجرد تدوين في كتب قديمة، بل أصبحت الخوارزميات الذكية هي الحارس الجديد لذاكرة الشعوب، وهو ما تجلى في صياغة رؤية مستقبلية تدمج بين أصالة الماضي وابتكارات المستقبل.
انطلاقة فكرية من قلب الشارقة
تحت شعار “التقاليد الشفاهية في عالم متغير: من الأداء الحي إلى الوسائط الرقمية”، اختتم مؤتمر التراث أعمال دورته الثالثة التي نظمها معهد الشارقة للتراث. وشهد الحدث، الذي استمر لأربعة أيام متتالية، تظاهرة فكرية وثقافية فريدة جمعت نخبة من العلماء والباحثين والأكاديميين والخبراء من مختلف الدول العربية. وقد رسخ هذا المحفل مكانة إمارة الشارقة كمنارة رائدة للحوار الثقافي ومنصة عربية أساسية لاستشراف مستقبل #التراث_الثقافي غير المادي في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم.
الذكاء الاصطناعي في خدمة الهوية
ركز المؤتمر في توصياته الختامية على الأهمية البالغة لتطوير المنصات الرقمية وتوسيع برامج التوثيق الميداني. ودعا المشاركون إلى ضرورة الاستفادة القصوى من تطبيقات #الذكاء_الاصطناعي الحديثة في جمع التراث الشفهي، وأرشفته، وتحليله، مع الالتزام التام بصون خصوصيته وأصالته التاريخية. كما شددت التوصيات على دعم البحث العلمي، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية بين المؤسسات الثقافية والجامعات، فضلًا عن ترسيخ حضور التراث في المناهج التعليمية لتمكين الشباب من الإسهام في حفظه ونقله للأجيال القادمة، وتوسيع آفاق التعاون العربي والدولي في هذا المجال عبر منظمة اليونسكو.

ابتكار رقمي وتأصيل معرفي
قدم المؤتمر نموذجاً متميزاً لتوظيف البحث العلمي في خدمة الهوية الوطنية، جامعاً بين عمق التأصيل النظري وآفاق الابتكار التقني. وجاء ذلك في إطار رؤية ثقافية تؤمن بأن صون الموروث لا يقتصر على مجرد الحفظ التقليدي، بل يمتد إلى تجديد أدوات حضوره واستدامة أثره في الوعي الإنساني. وشكل المؤتمر فضاءً معرفياً ميثاقياً لصياغة رؤى مستقبلية حول #التقاليد_الشفاهية، وتعزيز التكامل المؤسسي بما يرسخ مكانة التراث باعتباره ذاكرة حية للأمم عبر منصات أرشيف التراث الرقمي.
مناقشات علمية وحلول عملية
شهدت الجلسات نقاشات مستفيضة تناولت جملة من القضايا الفكرية والمنهجية المرتبطة بالتقاليد الشفهية، بدءاً من تأصيل مفاهيمها ووظائفها الثقافية، مروراً بتحديات صونها في العصر الرقمي، وصولاً إلى آليات توظيف التقنيات الحديثة. واستعرض الباحثون تجارب عربية ملهمة قدمت نماذج عملية في حماية التراث. وعكست المداولات العلمية مستوى رفيعاً من التخصص والتفاعل المثمر بين المشاركين، مما فتح آفاقاً جديدة لتطوير سياسات وممارسات أكثر فاعلية في صون الذاكرة الشعبية، وهو ما تسلط الضوء عليه باستمرار صحيفة هتون الدولية.

حراك بحثي وإصدارات نوعية
وعلى هامش المؤتمر، احتفى الحضور بحراك علمي بارز تمثل في توقيع 35 إصداراً جديداً غطت مجالات التراث، والثقافة الشعبية، والدراسات الأنثروبولوجية المتخصصة. تعكس هذه الخطوة الدور الريادي الذي يقوده معهد الشارقة للتراث في إثراء المكتبة العربية، وتعزيز الإنتاج المعرفي المتخصص، وترسيخ ثقافة التأليف والتوثيق باعتبارها الركيزة الأساسية لحماية الموروث وضمان استدامته عبر الأجيال.
جيل الشباب وحراسة الذاكرة
ولم تغب فئة الشباب عن مناقشات المؤتمر؛ إذ ركزت المحاور على أهمية صناعة محتوى رقمي جاذب للشباب يربطهم بجذورهم. إن دمج التراث في الألعاب الإلكترونية، والتطبيقات التفاعلية، ومنصات التواصل الاجتماعي يعد خطوة جوهرية لتحويل #الموروث_الشعبي من مادة تاريخية جامدة إلى عنصر حيوي يتفاعل معه الشباب يومياً، مما يضمن انتقال شعلة الهوية الوطنية بسلاسة وأمان إلى المستقبل.
إن مخرجات “مؤتمر التراث الثالث” تدق ناقوساً إيجابياً يدعو إلى حتمية التوفيق بين الأصالة والحداثة. فالذكاء الاصطناعي والوسائط الرقمية ليست تهديداً للمأثورات الشفهية، بل هي أدوات تمكين وأجنحة جديدة تحلق بها الهوية العربية في الفضاء الرقمي العالمي، لتظل هذه الكنوز الحية نابضة بالحياة في وعي البشرية جمعاء.




