إسبوعية ومخصصةالزوايا وأقلام

الإنسان بين الاختيار والقدر.. هل نحن مخيّرون أم مسيّرون؟

عائض فهد القحطاني

كثيرًا ما يتردد هذا السؤال على ألسنة الناس: هل الإنسان مخيّر أم مسيّر؟

سؤالٌ قديم، لكنه يتجدد مع كل موقف يهزّ القلب، وكل ظرفٍ يعجز الإنسان عن تغييره. وبينما يظن البعض أن الإجابة لا تحتمل إلا أحد الخيارين، فإن الحقيقة أعمق من ذلك؛ فالإنسان مخيّر فيما يملك قراره، ومسيّر فيما يجري عليه من أقدار لا سلطان له عليها.

ومع بداية إجازتي، كنت أرسم لها ملامح مختلفة؛ لقاءات مؤجلة، وراحة بعد عامٍ من العمل، وأيامًا ظننت أنها ستكون ملكًا لي. لكن القدر كان قد كتب صفحة أخرى، حين دخلت والدتي المستشفى، لتتحول الإجازة من فسحةٍ للراحة إلى رسالةٍ من البر والوفاء، ومن وقتٍ للنفس إلى وقتٍ للعطاء.

لم أختر مرضها، ولم أختر توقيت دخولها المستشفى، فهذا من أقدار الله التي نسلّم لها راضين. لكنني كنت مخيّرًا في موقفي: أن أبقى إلى جوارها، وأن أكون سندًا لها، وأن أؤمن أن برّ الوالدين ليس واجبًا فحسب، بل شرفٌ يمنحه الله لمن يشاء.

وفي أروقة المستشفى، أدركت أن العلاج لا تصنعه الأدوية وحدها، بل تصنعه أيضًا الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والوجه الذي يمنح الآخرين شعورًا بالأمان. هناك برز دور الطبيبة، التي لم تكن تمارس مهنتها فحسب، بل كانت تمارس إنسانيتها بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

كانت تدرك أن خلف كل مريض أسرةً كاملة تعيش القلق، وأن خلف كل سرير قلبًا ينتظر الطمأنينة. لذلك كانت كلماتها الهادئة، وشرحها الواضح، وابتسامتها الصادقة، تبث في النفس سكينةً لا تقل أثرًا عن العلاج نفسه. لقد كانت داعمًا نفسيًا قبل أن تكون طبيبة.

ومن ذلك الدعم كنت أستمد طاقتي. فكلما منحتني الطمأنينة، استطعت أن أنقلها إلى إخوتي وأخواتي، وأن أكون أكثر ثباتًا في مواجهة القلق.

وهنا أدركت أن الدعم النفسي يشبه الضوء؛ يبدأ من شخص واحد، ثم يمتد ليضيء قلوبًا كثيرة. وأن الإنسان القوي ليس من يخفي مشاعره، بل من يجد من يمنحه القوة ليستطيع أن يمنحها لغيره.

لقد علّمتني هذه التجربة أن الأقدار قد تغيّر خططنا، لكنها لا تستطيع أن تنتزع منا حسن الاختيار. فربما لا نملك منع الألم، لكننا نملك طريقة التعامل معه، ولا نملك تغيير كل ما يحدث لنا، لكننا نملك أن نكون أكثر صبرًا ورحمةً وإيمانًا.

وفي نهاية المطاف، يبقى الإنسان مسيّرًا فيما كتبه الله عليه، ومخيّرًا فيما يتخذه من مواقف تجاه ذلك القدر. وبين القدر والاختيار تتجلى حقيقة الإيمان: أن نرضى بما قسم الله، وأن نحسن فيما جعل لنا فيه إرادةً واختيارًا.

أسأل الله أن يمنّ على والدتي بالشفاء العاجل، وأن يحفظ كل أمٍ وأب، ويرحم من توفي من آبائنا وأمهاتنا، وأن يجزي كل إنسان يجعل من إنسانيته علاجًا قبل الدواء كل خيرٍ وصحةٍ وعافية.

فبعض الكلمات الصادقة قد تُرمم قلبًا أنهكه القلق، وبعض المواقف النبيلة تبقى في الذاكرة أثرًا لا يمحوه الزمن.

بقلم/ د. عائض فهد القحطاني
كاتب ومؤلف، أخصائي إرشاد نفسي، خبير التوجيه السلوكي، ومدرب تنمية المهارات الشخصية والقيادية.

مقالات ذات صلة

‫59 تعليقات

  1. “ما أجمل هذا الربط العميق بين فلسفة القدر وواقع الحياة اليومي. كثيراً ما تصدمنا الأقدار بما لا تشتهي سفننا، لكن روعتنا تكمن في طريقة استجابتنا لتلك الأقدار وتطويعها لتكون باباً للأجر والارتقاء الروحي. شفا الله والدتكم الغالية، وجعل برّكم بها في ميزان حسناتكم.”

  2. تلمس هذه الكلمات وتراً حساساً في مهنة الطب؛ فالطبيب الحقيقي هو من يداوي الروح قبل الجسد. ما أحوجنا اليوم إلى تعميم هذه الروح الإنسانية في أروقة المستشفيات، حيث تكون الابتسامة والكلمة الطيبة نصف العلاج. شكراً للكاتب على هذه اللفتة الراقية، وحفظ الله أمهاتنا جميعاً.”

  3. مقال يفيض بالصدق والوفاء. لقد تحولت إجازتك من واحة للراحة الشخصية إلى محراب لبر الوالدين، وهذا لعمري هو الاستثمار الحقيقي للوقت والجهد. الأوقات التي نقضيها بجوار أمهاتنا في لحظات ضعفهنّ هي أثمن ما نملك في رصيد عمرنا. شفاها الله وعافاها وكتب أجركم.”

  4. “صياغة فلسفية غاية في العمق والجمال. نعم، نحن لا نملك تغيير الأقدار، لكننا نملك وبقوة رسم ملامح ردود أفعالنا تجاهها.”

  5. المقال يلمس منطقة حساسة في النفس البشرية؛ فالإيمان الحقيقي يتجلى في تلك المساحة الفاصلة بين ما فُرض علينا وما نختار أن نفعله تجاهه.”

  6. من أروع ما قرأت عن جدلية التسيير والتخيير؛ لقد نقلتَ الفكرة من حيز التنظير الجاف إلى واقع الحياة المعاش والتجربة الصادقة.”

  7. الرضا بالقدر لا يعني الاستسلام، بل يعني البحث عن الثغرة التي يمكننا من خلالها تقديم أفضل ما لدينا من إنسانية وبر.”

  8. كلمات تزن الذهب. الأقدار ترسم الطريق، ومواقفنا هي التي تحدد إن كنا سنعبره بكرامة وصبر أم بضجر.”

  9. “تجربة إنسانية تثبت أن أصل الإيمان هو التسليم المطلق لله مع السعي الدائم لتقديم الجميل من المواقف.”

  10. “بين القدر والاختيار مسافة يملؤها الصبر الجميل واليقين بأن الخيرة دائماً فيما يختاره الله لنا.”

  11. مقال يعيد ترتيب المفاهيم في أذهاننا؛ فالظروف الصعبة هي الاختبار الحقيقي لمعدن الإنسان وقوة اختياراته الأخلاقية.”

  12. “لقد لخصتَ حقيقة الوجود في عبارة واحدة: قد لا نملك منع الألم، لكننا نملك طريقة التعامل معه. بوركت قلمك دكتور عائض.”

  13. تحليل نفسي وسلوكي رائع للحدث؛ فالمرء يصنع واقعه الداخلي حتى وإن فرضت عليه الظروف الخارجية مساراً مغايراً.”

  14. “الحياة مدرسة، وأقسى دروسها هي تلك التي تأتي بغتة لتمتحن عمق رضانا وتسليمنا لأقدار الله.”

  15. “تكامل رائع بين الطرح الديني والنفسي في توضيح مفهوم التسيير والتخيير عبر تجربة شخصية تلامس الروح.”

  16. “الأقدار هدايا مغلفة بالابتلاء، والذكي من يبحث عن النور الكامن داخل تفاصيلها الصعبة.”

  17. “مقال يبعث في النفس الطمأنينة والهدوء العارم. الرضا بالقدر هو أولى خطوات السلام الداخلي.”

  18. حين تتعارض خططنا مع أقدار الله، تظهر فرصة عظيمة لنكتشف جوانب من الروح والصلابة لم نكن نعرفها.”

  19. “التخيير الحقيقي يكمن في اختيار النبل في زمن الشدة، والصبر في لحظات العجز.”

  20. “مقال يترجم المعاني الإيمانية الكبرى إلى واقع عملي نعيشه جميعاً مع تقلبات الأيام وظروف الحياة.”

  21. “كل موقف صعب يمر بنا هو رسالة سماوية صامتة، وعلينا أن نحسن قراءتها واختيار الرد المناسب عليها.”

  22. موازنة دقيقة وعميقة بين ما هو مكتوب وما هو مطلوب منا كبشر تجاه هذا المكتوب. شكراً دكتور عائض.”

  23. قمة الوعي والارتقاء النفسي أن نرى في ثنايا الابتلاء مساحة لاختيار الخير والبر والعطاء.”

  24. كلمات تدخل القلب مباشرة دون استئذان. ما أروع مفهوم الرضا عندما يُترجم بصبر جميل وموقف نبيل.”

  25. “فلسفة راقية جداً في التعامل مع الأقدار المفاجئة؛ فالأقدار لا تكسرنا بل تعيد تشكيلنا لنكون أكثر رحمة.”

  26. مقال يقطر إيماناً ووعياً نفسياً؛ فالصبر ليس مجرد انتظار، بل هو اختيار الطريقة التي ننتظر بها.”

  27. طرح يبعث على السكينة؛ فكلما سلمنا لله أقدارنا، كلما اتسعت مساحة الطمأنينة والرضا في قلوبنا.”

  28. “القدر يسلبنا أحياناً رفاهية التخطيط، لكنه يمنحنا فرصة الارتقاء بالروح واختيار المواقف العظيمة.”

  29. “مقال رائع يوضح كيف يمكن للإنسان أن يحول ألمه إلى أمل من خلال حسن الظن بالله والرضا بقضائه.”

  30. تسليط الضوء على مفهوم التخيير والمسؤولية الأخلاقية في الشدائد هو جوهر هذا المقال الإنساني العظيم.”

  31. “أن نكون مخيرين في مواقفنا يعني أننا نملك مفاتيح سلامنا الداخلي مهما كانت الظروف الخارجية عاصفة.”

  32. بين ثنايا الكلمات تجد روحاً مؤمنة راضية بقضاء الله، مستثمرة لكل فرصة لتقديم الخير والدعم لمن حولها.”

  33. مقال يلامس العمق، يذكرنا بأن مواقفنا في الأوقات الصعبة هي التي تكتب سيرتنا الحقيقية.”

  34. ما يمر بنا من أقدار ليس عبثاً، بل هو تدبير حكيم يضعنا أمام اختيارات تكشف عن جوهر نفوسنا.”

  35. أحياناً تكون الأقدار القاسية هي البوابة الوحيدة لندخل منها إلى عوالم الرحمة والنضج النفسي الشامل.”

  36. “نعم، لسنا مسيرين بالكامل؛ فلدينا دائماً الخيار لنبتسم، لنصبر، ولنكون بلسماً لجراح الآخرين.”

  37. مقال يبعث على التأمل العميق في كنه الوجود وكيف أن مواقفنا الشخصية تصنع فارقاً حقيقياً في أحداث الحياة.”

  38. هذا التحليل النفسي للقدر يمنح الإنسان قوة لمواجهة أي ظرف طارئ بقلب راض وعقل متزن.”

  39. الرضا بقضاء الله وقدره هو النواة التي تنمو منها كل زهور الصبر والجمال في حياتنا الصعبة.”

  40. “التوازن بين التسليم للأقدار والفاعلية في اختيار المواقف هو المعادلة الذهبية التي قدمها هذا المقال.”

  41. “كل ظرف نمر به هو لوحة بيضاء، والأقدار تضع الخطوط الأولى، لكننا نحن من نختار الألوان المناسبة لها.”

  42. “مقال يعيد الأمل للنفوس المتعبة، ويذكرها بأن الاختيار بيدك دائماً لتصنع من الألم أملاً.”

  43. نحن مسيرون في البدايات بفضل القدر، ومخيرون في النهايات بفضل حسن صنيعنا ومواقفنا الراقية.”

  44. “أن تتحول الإجازة من رفاهية شخصية إلى محراب لخدمة الأم، فهذا هو المعنى الحقيقي للبر والتوفيق الإلهي.”

  45. “البر ليس شعاراً نردده، بل هو موقف عملي نختاره عندما تدعونا الأقدار للوقوف بجانب من وهبونا الحياة.”

  46. “شفا الله والدتك يا دكتور. لقد ضربت مثلاً رائعاً في أن البر شرف ومنحة يختص الله بها القلوب الحية.”

  47. أعظم إنجاز يمكن للمرء أن يحققه في إجازته أو حياته هو تلك اللحظات التي يقضيها خادماً تحت أقدام والدته.”

  48. “مقال يقطر صدقاً ووفاءً؛ فمرض الآباء يختبر معادن الأبناء، والوقوف بجانبهم هو الاستثمار الحقيقي للوقت.”

  49. أحياناً يغير الله خططنا ليدلنا على طريق الجنة؛ فتحول الإجازة إلى خدمة ووفاء هو تيسير رباني عظيم.”

  50. “شفا الله والدتكم الغالية. المرض ابتلاء للأم، ولكنه في نفس الوقت فرصة ذهبية للأبناء لينالوا شرف البر.”

  51. مقال يعيد التذكير بالأولويات الحقيقية في الحياة؛ فلا عمل ولا راحة تضاهي لحظة بر بجانب سرير الوالدة.”

  52. لقد وصفت بدقة تلك المشاعر المختلطة بين القلق والبر والوفاء؛ نسأل الله أن يلبس والدتكم ثوب الصحة والعافية.”

  53. أجمل ما في المقال هو هذا التقبل الجميل لتحول مسار الإجازة من المتعة الشخصية إلى العطاء الإنساني الأسمى.”

  54. “بر الوالدين ليس حملاً ثقيلاً، بل هو طوق نجاة نهرب به من ضجيج الحياة إلى طمأنينة الرضا الإلهي.”

  55. إن خدمة الأم في مرضها هي التجارة الرابحة التي لا تبور أبداً، وبها تفتح أبواب التوفيق في الدنيا والآخرة.”

  56. مقال مؤثر وراقٍ يترجم مشاعر الابن البار الذي يرى في المحنة منحة لتقديم الوفاء لمن يستحق الوفاء.”

  57. “تحية إجلال لقلمك الذي صاغ البر بهذه العاطفة الجياشة والتحليل النفسي العميق للأزمات الأسرية.”

  58. “الوقوف بجانب الأم في شدتها هو الرد العملي الوحيد على سنوات العطاء الطويلة التي منحتنا إياها بلا مقابل.”

  59. مرض الوالدة حفظها الله كشف عن قلب كاتب نبيل يرى في الواجب شرفاً وفي الابتلاء طريقاً للتقرب من الله.”

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى