إسبوعية ومخصصةالزوايا وأقلام

اللّغة العربيّة في عصر الذكاء الاصطناعيّ – ج1

د. ماجد خالد أعرج

عندما تتحدّث الآلة باللّغة العربيّة، يتبادر للذهن السؤال التالي: هل بدأ عصر جديد؟

لم يكن أكثر المتفائلين في نهاية القرن العشرين يتوقّع أن يأتي يوم نجلس فيه أمام آلة نخاطبها بلغتنا فتجيبنا وتكتب لنا وتصحّح أخطاءنا وتلخّص كتبنا، بل وتناقشنا في الأدب والفلسفة والعلوم. وما كان يُعدّ قبل عقود ضربًا من الخيال العلميّ أصبح اليوم جزءًا من الحياة اليوميّة لعشرات الملايين من البشر. لقد دخل الذكاء الاصطناعيّ بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا ومؤسّساتنا، وأصبح حاضرًا في كلّ جهاز ذكيّ، وفي كلّ محرّك بحث، وفي معظم التطبيقات التي نستخدمها.

غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا ينبغي أن يكون: هل دخل الذكاء الاصطناعيّ حياتنا؟ فهذا أمر حُسم بالفعل وإنّما يجب أن يكون السؤال: كيف سيغيّر الذكاء الاصطناعيّ مستقبل اللّغة العربيّة؟

لقد أثبت التاريخ أنّ اللّغات التي لا تواكب التحوّلات الحضاريّة تبدأ تدريجيًا في الانكماش، في حين تبقى اللّغات القادرة على استيعاب العلوم والتقنيات حيّةً ومتجدّدة. والعربيّة ليست لغة عاديّة حتّى تُقاس بغيرها؛ فهي لغة القرآن الكريم ولغة حضارة امتدّت قرونًا، وحملت علوم الطبّ والفلك والهندسة والكيمياء والفلسفة والرياضيّات إلى العالم أجمع. وهي كذلك لغة تمتلك قدرة استثنائيّة على الاشتقاق والتوليد وصناعة المصطلحات، وهذه الخصائص تجعلها مؤهّلة لمواكبة العصر إذا أحسن أهلها استثمارها.

لقد كان التحدّي الأكبر أمام العربيّة في العقود الماضية هو ضعف حضورها في الفضاء الرقميّ مقارنة بالإنجليزيّة والصينيّة والإسبانيّة. فلم تكن المشكلة في اللّغة ذاتها، وإنّما في قلّة الاستثمارات في البرمجيّات اللّغويّة وضعف الموارد الرقميّة ونقص المدوّنات العربيّة عالية الجودة. ولهذا كانت كثير من التطبيقات العالميّة تتعامل مع العربيّة بدرجة أقلّ دقّة، وتعجز عن فهم بعض تراكيبها ناهيك عن بلاغتها أو تنوّع لهجاتها.

إلّا أنّ السنوات الأخيرة حملت تحوّلًا لافتًا، إذ بدأت شركات التقنية الكبرى ومراكز البحث والجامعات في توجيه اهتمام أكبر نحو اللّغة العربيّة، وأصبحت النماذج اللّغويّة الحديثة أكثر قدرة على تحليل النصوص العربيّة والتفاعل مع مستخدميها وتقديم خدمات لم تكن متاحة من قبل. واليوم يستطيع الباحث أن يحصل على شرح نحويّ أو تلخيص لكتاب أو مراجعة لبحثه أو تدريب على الكتابة في دقائق معدودة، وهي مهام كانت تستغرق ساعات طويلة.

لذلك كلّه أطرح السؤال التالي: هل يعرف الذكاء الاصطناعيّ اللّغة العربيّة كما يعرفها أبناؤها ومتعلّموها؟

وستكون الإجابة عن هذا السؤال في الجزء الثاني بمشيئة الله.

بقلم/ د. ماجد خالد أعرج

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. طرح راقٍ ومهم جدًا د. ماجد.
    ​بالفعل، لم تكن المشكلة يومًا في اللغة العربية وقدرتها، بل في القصور الرقمي وقلة المدوّنات عالية الجودة التي أشار إليها المقال. اليوم ونحن نشهد هذا التحول الكبير، يظل السؤال السائد: هل تستطيع الآلة إدراك “بلاغة” الضاد وروحها كما يدركها ابن اللغة؟
    ​شوقتنا للجزء الثاني، وبانتظار ما يسفر عنه قلمك وفكرك النير ببالغ الشغف!

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى