إسبوعية ومخصصةالزوايا وأقلام

متلازمة الانفصال عن الذات والواقع .. معاناة صامتة

أنس محمد الجعوان

يُعد اضطراب تبدّد الشخصية وتبدّد الواقع من الحالات النفسية التي قد تكون شديدة الإرباك لمن يمر بها. إذ يشعر المصاب أحيانًا بأنه منفصل عن ذاته، أو يراقب نفسه من الخارج، أو أن العالم من حوله يبدو غريبًا أو غير حقيقي، وكأنه يعيش خلف حاجز يفصله عن تفاصيل الحياة.

وما يميز هذه الحالة أن المصاب يحتفظ عادةً بإدراكه للواقع، ويعرف أن هذا الإحساس بالتغيّر أو الانفصال نابع من تجربته الداخلية، وليس لأن العالم تغيّر بالفعل.

وتشير المراجع الطبية إلى أن اضطراب تبدّد الشخصية وتبدّد الواقع يصيب نحو 1 إلى 2% من عامة السكان، بينما قد يمر عدد أكبر بكثير من الناس بتجارب عابرة من تبدّد الشخصية أو الواقع في مرحلة ما من حياتهم، خصوصًا مع الضغوط الشديدة أو بعض التجارب الصادمة. لكن الأعراض العابرة لا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي يحتاج إلى تشخيص.

وغالبًا ما تبدأ أعراض الاضطراب في سن مبكرة؛ إذ تشير المراجع إلى أن متوسط عمر البداية يقع تقريبًا في منتصف سنوات المراهقة، كما يمكن أن يترافق الاضطراب مع حالات أخرى، من بينها القلق والاكتئاب ونوبات الهلع.

وتكمن إحدى الصعوبات التي يواجهها المصاب في سوء فهم ما يشعر به؛ فقد يعجز عن وصف تجربته للآخرين، أو يخشى أن يُساء تفسيرها، أو يظن أنه الوحيد الذي يعيش هذه المشاعر. وقد يدفعه ذلك إلى الانسحاب الاجتماعي أو الإفراط في مراقبة الأعراض والبحث عنها، مما قد يزيد شعوره بالقلق.

ومن المهم التأكيد أن تبدّد الشخصية أو الواقع لا يعني ضعف الشخصية، كما لا ينبغي الاستهانة بالأعراض إذا أصبحت مستمرة أو أثرت في الدراسة أو العمل أو العلاقات والحياة اليومية.

أما من الناحية العلاجية، فيعتمد التعامل مع الاضطراب على تقييم الحالة بصورة متكاملة، وقد يشمل العلاج النفسي، ومنه أساليب العلاج المعرفي السلوكي، إلى جانب معالجة الاضطرابات أو العوامل المصاحبة مثل القلق والاكتئاب واضطرابات النوم عند وجودها. ولا يوجد علاج واحد يناسب جميع الحالات، ولذلك يبقى التقييم لدى مختص في الصحة النفسية هو الخطوة الأهم عند استمرار الأعراض.

كما أن فهم المصاب لطبيعة ما يمر به، ومعرفة أن هذه التجربة معروفة طبيًا ويمكن التعامل معها، قد يخفف جانبًا من الخوف والارتباك المصاحبين لها.

ويبقى رفع الوعي باضطراب تبدّد الشخصية وتبدّد الواقع ضرورة مهمة؛ لأننا أمام معاناة قد لا تُرى بالعين، لكنها قد تؤثر بعمق في حياة من يعيشها.

فليست كل المعاناة ظاهرة، وأحيانًا يكون أول طريق للتعافي أن يجد الإنسان اسمًا لما يشعر به، وفهمًا لما يمر به، ومَن يصغي إليه دون حكم أو تقليل.

المستشار المدرب الدكتور/ أنس محمد الجعوان

للتواصلhttps://linktr.ee/aljaawan 

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. المقال ده جه في وقته تماماً، لساني عاجز عن وصف الشعور ده وكنت فاكر إني لوحدي اللي بعيشه. شكراً لتسليط الضوء على المعاناة الخفية دي.

  2. حقيقي كلام مريح جداً، لما الواحد بيعرف اسم للي بيحس بيه الخوف بيقل نصه. تسلم ايدك على التوضيح الراقي والمهم ده.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى