ذاكرة تُروى في أمسية تستكشف الأدب الشفاهي وتحولاته الإبداعية في جدة
جدة –فريدة الشمراني

أقامت جمعية الأدب المهنية، عبر سفرائها في مدينة جدة وبالتعاون مع الشريك الأدبي «مقهى مجالس المقام»، مساء أمس الاثنين 31 أغسطس 2026م، أمسية ثقافية بعنوان «الأدب الشفاهي: من الذاكرة الثقافية إلى الإبداع الأدبي»، وسط حضور من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالموروث الشعبي.
استضافت الأمسية الأديب والباحث محمد بن ربيع الغامدي، والباحث عبدالحي الغبيشي، والأديبة والباحثة اعتدال عطيوي، وأدار محاورها الأستاذ بخيت الزهراني، فيما أشرف عليها الدكتور سلطان العيسى.
مفاهيم الأدب الشفاهي
استهل مدير الجلسة بخيت الزهراني الأمسية بالتعريف بمفهوم الحكاية الشعبية ومسمياتها المتعددة، متناولًا طبيعة الأدب الشفاهي وخصائصه، وصلته بذاكرة المجتمع ولغته وقيمه وعاداته.
وناقشت الأمسية أشكال الأدب الشفاهي التي تتناقلها الأجيال من خلال الرواية والسماع، ومن بينها الحكايات والأساطير والأمثال والأهازيج والأغاني والسير الشعبية والشعر الشفاهي، وما تحمله هذه الأشكال من صور للحياة اليومية وتجارب الناس ومشاعرهم.

الغبيشي: الأدب الشفاهي يحفظ وجدان الناس
أوضح الباحث عبدالحي الغبيشي أن التاريخ يعتمد منهجًا علميًا في توثيق الوقائع الكبرى، مثل قيام الدول والحروب وسنوات الجوع، بينما يهتم الأدب الشفاهي بما هو أبعد من تسجيل الحدث؛ إذ يكشف كيف عاش الناس تلك الوقائع، وماذا شعروا تجاهها، وكيف عبّروا عنها بلغتهم اليومية.
وأكد أن الأدب الشفاهي حفظ تفاصيل قد لا نجدها في كتب التاريخ، من بينها اللهجات الحية وطرائق التخاطب والعلاقات الاجتماعية وأساليب المزاح والعتاب والنداء بين أفراد المجتمع.
وأشار إلى أن العبارات والأغاني والأمثال المتوارثة تمثل سجلًا وجدانيًا يكشف مشاعر الناس وعواطفهم، ويرسم صورة للحياة اليومية ربما أغفلتها المدونات التاريخية الرسمية.
كما تناول ما تحمله النقوش الصخرية والكتابات القديمة من أدعية وعبارات ثناء وإشارات تساعد على تأريخ بعض الفترات والتعرف على جوانب من العادات التي كانت سائدة فيها.
الغامدي: الأمانة أساس التوثيق
شدد الأديب محمد بن ربيع الغامدي على أن الباحث في الأدب الشفاهي مطالب بالأمانة التامة في نقل ما يسمعه من الرواة، موضحًا أن النص الشعبي ينبغي أن يُسجل كما ورد، حتى وإن تضمن أخطاء لغوية أو اختلافات بين رواية وأخرى.
وبيّن أن الباحث لا يجمّل النص ولا يصححه أو يعيد تشكيله، بل يحافظ عليه كما نطق به الراوي؛ لأن عفوية النص وتحريفاته واختلاف رواياته تمثل جزءًا من قيمته العلمية والثقافية.
وفرّق الغامدي بين مهمة الباحث ومهمة المبدع؛ فالباحث مسؤول عن جمع الموروث وتوثيقه وحفظه، بينما يملك القاص أو الروائي أو المسرحي حرية استلهامه وإعادة صياغته، وتحويله إلى عمل أدبي جديد يعبر عن رؤيته الخاصة.
وأشار إلى تجربته في تسجيل الحكايات من الرواة بلغتها الأصلية، ثم إعداد صياغة فصيحة موازية تساعد القارئ من خارج البيئة المحلية على فهمها، مع الحفاظ على النص الأصلي وسياقه، كما فعل في كتابه «ذاكرة الفواجع المنسية».

الحكاية الشعبية مصدر للإبداع
تناول الغامدي آلية تحويل الحكاية الشعبية إلى نص مسرحي أو قصصي، مبينًا أن الموروث يمنح الكاتب الفكرة الأساسية التي ينطلق منها، ثم تأتي المعالجة الإبداعية وفق أسلوب الكاتب ورؤيته واتجاهه الفني.
وأوضح أن الحكاية الواحدة قد تتحول إلى أعمال مختلفة، وأن عنوانها وتفاصيلها وصياغتها يمكن أن تتغير باختلاف الثقافة واللهجة والبيئة، مستشهدًا بتعدد معالجات حكاية «حذاء أبي القاسم الطنبوري».
كما تطرق إلى ما يحمله شعر الشَّقْر من تراكيب لغوية ودلالات خفية، موضحًا أن اجتماعات الكلمات قد تنتج معاني جديدة، وهو ما يتطلب معرفة دقيقة باللهجة والسياق الثقافي.
عطيوي: التوثيق ثم التوثيق
استهلت الأديبة اعتدال عطيوي حديثها باستحضار نص طفولي شعبي مألوف، مؤكدة أن النصوص التي سمعناها في طفولتنا سكنت الوجدان، وارتبطت بالأمسيات العائلية وحكايات ما قبل النوم، واستمدت حضورها من عمق البيئة الحجازية.
وشددت على أهمية حفظ روح الأماكن وتفاصيلها وذاكرة أهلها، محذرة من أن الأجيال القادمة قد لا تعرف ملامح المدن والحارات القديمة إذا لم تُوثق حكاياتها ولهجاتها وعاداتها.
وقالت إن الأولوية تبدأ بـ«التوثيق، ثم التوثيق، ثم التوثيق»، لافتة إلى وجود نقص كبير في توثيق ذاكرة المدن، في ظل محدودية المراكز البحثية المتخصصة واعتماد كثير من المشروعات على جهود فردية.

واستعرضت تجربتها في إعداد «قاموس اللهجة الحجازية»، الذي استغرق منها خمس سنوات من العمل المتواصل، مؤكدة أن التوثيق الحقيقي يجب أن يكون مستمرًا ومنظمًا وقائمًا على منهج علمي واضح، لا على الجمع العشوائي.
المرأة حافظة للذاكرة
أكدت عطيوي أهمية دور النساء، ولا سيما الجدات وكبيرات السن، في حفظ الحكايات والأمثال والمفردات الشعبية ونقلها بين الأجيال.
ودعت أبناء المدن والقرى إلى تسجيل ما تحتفظ به الأمهات والجدات والخالات من مرويات وذكريات ومفردات محلية قبل اندثارها، مشيرة إلى أن إنجاز المشروعات التوثيقية يحتاج إلى تعاون المجتمع مع الباحثين.
وبيّنت أنها تتعامل في المرحلة الحالية بوصفها موثقة للمادة الشعبية، فتجمعها وتسجلها بطريقة علمية، على أن يأتي بعد ذلك دور المبدع في استثمارها وتحويلها إلى قصة أو رواية أو قصيدة أو مسرحية أو سيناريو.
بين أمانة الموروث وحرية المبدع
ناقشت الأمسية الحد الفاصل بين الأمانة في حفظ النص الشعبي وحرية المبدع في إعادة إنتاجه، وخلصت المداخلات إلى وجود مسارين متكاملين: مسار توثيقي يحافظ على النص كما ورد عن الرواة، ومسار إبداعي يستلهم روح النص ويعيد تقديمه في قالب فني جديد.
وأكدت عطيوي أن تحويل الموروث إلى عمل أدبي ليس عملية سهلة؛ فمجرد نقل الحكاية ووضعها في قالب روائي لا يُعد إبداعًا، وإنما يتحقق الإبداع عندما ينجح الكاتب في تحريك النص من الداخل ومنحه روحًا جديدة، مع بقائه متكئًا على جذوره الشعبية.
نماذج عربية في استلهام الموروث
استحضرت الأمسية عددًا من التجارب العربية التي تعاملت مع الموروث الشفاهي، من بينها تجربة الشاعر عبدالرحمن الأبنودي في جمع «السيرة الهلالية»، وتجربة نجيب محفوظ في استلهام البيئة الشعبية المصرية في «الحرافيش».

كما جرى تناول تجربتي الأديب عبده خال في كتابيه «قالت حامدة: أساطير حجازية» و«قالت عجيبة: أساطير تهامية»، اللذين جمع فيهما حكايات من أفواه الرواة، ثم أعاد تقديمها بروح وأسلوب أدبيين.
وأكد المتحدثون أن هذه النماذج تبين قدرة الحكاية الشعبية على الانتقال من الرواية الشفاهية إلى الكتابة الأدبية والمسرح والفنون البصرية والمنصات الرقمية، مع المحافظة على جذورها الثقافية.
مداخلات وأسئلة
شهدت الأمسية مداخلات وأسئلة تناولت أثر الأدب الشفاهي في القصة القصيرة المعاصرة، وكيفية تحويل الموروث إلى نصوص مسرحية، وموقع النقوش القديمة من التراث الشعبي، وعلاقة اللهجة الحجازية بالأدب الشفاهي، ودور المرأة في حفظ الذاكرة، إضافة إلى صعوبات التعامل مع المفردات المحلية وفخاخ اللغة أثناء التوثيق.
وأثرت إجابات الضيوف النقاش، وكشفت عن تعدد الرؤى حول العلاقة بين الحفظ والإبداع، مع اتفاقهم على ضرورة حماية المادة الشعبية من الضياع، وتشجيع الباحثين والمبدعين على الاستفادة منها بوعي ومسؤولية.

ختام وتكريم
في ختام الأمسية، قدم الدكتور سلطان العيسى شكره لضيوف اللقاء ومدير الجلسة والحضور، مؤكدًا أن موضوع الأدب الشفاهي يمس كل فرد؛ لأن لكل إنسان حكايته، ولكل مجتمع مروياته التي ورثها عن الآباء والأجداد.
ودعا إلى توثيق التراث الشفاهي والمحلي ونقله إلى الأجيال الجديدة ليظل حاضرًا بوصفه جزءًا من الهوية الثقافية، مشيرًا إلى استمرار جمعية الأدب المهنية في تقديم برامجها وفعالياتها الأدبية بمدينة جدة.
واختُتمت الأمسية بتقديم شهادات الشكر والتقدير للضيوف، تقديرًا لمشاركتهم وما قدموه من رؤى وتجارب أسهمت في إثراء الحوار حول الأدب الشفاهي وسبل حفظه وتحويله إلى إبداع معاصر.




