إسبوعية ومخصصةالزوايا وأقلام

المحكمة التي لم يكن فيها متهم

ورف

في تمام الساعة الثالثة فجرًا، وصلت إلى سكان المدينة رسالة واحدة: «غدًا ستُعقد محاكمة، وسيُطلب من الجميع الحضور». لم يُذكر اسم المتهم، ولا التهمة، ولا حتى اسم المحكمة. ومع ذلك، في صباح اليوم التالي، خرج الجميع من بيوتهم وساروا في الاتجاه نفسه.

كان هناك مبنى قديم في نهاية المدينة، لم يتذكر أحد أنه رآه من قبل. فوق بابه كُتبت كلمة واحدة: المحكمة.

دخل الناس. جلس القاضي ونظر إلى القاعة الممتلئة، ثم قال: «لنبدأ».

سأل أحدهم: «من المتهم؟»

رفع القاضي عينيه عن الملف: «لا يوجد متهم».

تعالت الهمسات: «إذن لماذا نحن هنا؟»

قال: «لأن هناك قضية».

«ضد من؟»

صمت القاضي لحظة، ثم أجاب: «ضد القرارات التي ظننتم أنها تخصكم وحدكم».

ساد الصمت. فتح أول ملف. لم يكن فيه اسم مجرم ولا صورة ضحية. كان فيه قرار صغير: رجل لم يرد على اتصال، امرأة اختارت الصمت، شخص أغلق بابًا أمام إنسان كان يحتاج فرصة، وآخر قال جملة قاسية، ثم نسيها بعد دقائق.

قال أحد الحاضرين: «لكننا لم نقصد إيذاء أحد».

ابتسم القاضي: «المحكمة لا تحاكم النوايا، بل الآثار».

بدأت تظهر على الجدار صور لأشخاص لا يعرفهم الحاضرون: شخص غيّر طريق حياته بسبب كلمة سمعها، وشخص فقد فرصة لأنه قوبل بالرفض، وشخص قرر ألا يثق بأحد مرة أخرى بسبب موقف عابر، وشخص كان ينتظر مكالمة لم تأتِ.

بدأ الناس يتعرفون على أنفسهم في التفاصيل. كل واحد منهم كان يكتشف أن قرارًا نسيه منذ سنوات لم ينسه شخص آخر.

وقف رجل وقال: «وما ذنبي إذا لم أعرف ما سيحدث بعد قراري؟»

نظر إليه القاضي طويلًا، ثم قال: «لا ذنب لك في المستقبل الذي لم تعرفه».

وتوقف قليلًا، ثم أضاف: «لكن عليك أن تتذكر أنك كنت جزءًا منه».

عندها بدأ القلق الحقيقي. لم تعد المحكمة تسألهم: «ماذا فعلتم؟» بل: «ماذا كان يمكن أن يحدث لو فعلتم شيئًا آخر؟»

ولأول مرة، لم يجد أحد إجابة؛ لأن أصعب الأسئلة ليست التي نجهل جوابها، بل التي نعرف أن الإجابة عليها لن تغيّر الماضي.

نهض القاضي وأغلق آخر ملف. سأله أحدهم: «إذن ما الحكم؟»

قال: «لا يوجد حكم».

تنفس الجميع براحة، لكن القاضي قال: «لأن الحكم ليس ما ستسمعونه مني».

ثم نظر إلى الساعة وقال: «الحكم هو ما ستفهمونه عندما تعودون إلى حياتكم».

انطفأت الأنوار. وحين أضاءت من جديد، اختفى القاضي، واختفت الملفات، واختفى المبنى كله.

خرج الناس إلى الشارع. كانت المدينة كما هي، لكن هواتفهم أضاءت في اللحظة نفسها. ظهرت رسالة واحدة: «المحاكمة انتهت».

ثم ظهرت تحتها جملة أخرى: «لكن المحكمة ستبقى مفتوحة».

استغرب الجميع. وفجأة، فهم أحدهم.

لم تكن المحكمة مبنى، ولم يكن القاضي شخصًا، ولم تكن الملفات عن الماضي فقط. كانت المحكمة هي اللحظة التي تسبق كل قرار.

كل مرة تقف فيها أمام خيارين. كل مرة تستطيع أن تقول كلمة أو تصمت. أن تفتح بابًا أو تغلقه. أن تمنح فرصة أو تحجبها. أن تعتذر أو تختبئ خلف كبريائك.

هناك تبدأ المحاكمة.

ليس لأن أحدًا يراقبك، بل لأنك أنت تعرف قبل أن تفعل الشيء أي نسخة من نفسك ستصبح بعدها.

ولهذا، حين عاد الناس إلى بيوتهم، لم يتغير شيء في المدينة، إلا أنهم صاروا يتوقفون قليلًا قبل بعض القرارات.

وفي اليوم التالي، وجد الناس على جدار المبنى الذي اختفى عبارة لم تكن موجودة بالأمس: «لم نُنشئ هذه المحكمة لنعرف من المذنب، بل لنعرف كم مرة كان بإمكان الإنسان أن يكون أفضل واختار ألا يكون».

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد المدينة تخاف من المحكمة. كانت تخاف من لحظة واحدة فقط: لحظة القرار.

لأن الإنسان يستطيع أن يبرر ما فعله بعد وقوعه، لكن قبل أن يفعله؟ يكون قد عرف الحقيقة كاملة.

بقلم الإعلامية/ ورف

مقالات ذات صلة

‫67 تعليقات

  1. مقال يلامس عمق الروح ويجعلنا نعيد التفكير في كل كلمة وقرار اتخذناه.

    كلمات الإعلامية ورف دائماً ما تأخذنا إلى المساحات المعتمة في ذواتنا لتنيرها.

  2. قراءة هذا النص تجعل المرء يقف طويلاً أمام مسؤولية تصرفاته اليومية البسيطة.

    أسلوب سردي مذهل يمزج بين الفلسفة والواقعية ببراعة متناهية.

  3. المحكمة الحقيقية هي الضمير الذي يستيقظ قبل أن نقترف الخيار الخاطئ.

    شكراً للإعلامية ورف على هذا الطرح العميق الذي يوقظ العقول.

  4. “نحاكم على الآثار لا النوايا” عبارة تختصر فلسفة العلاقات الإنسانية بأكملها.

    إبداع قلمي لا يُعلى عليه، صياغة تجبرك على قراءتها أكثر من مرة.

  5. كم من كلمة قاسية ألقيناها ونسيناها، بينما ظلت تحفر في قلب غيرنا لسنوات.

    مقال ينبض بالحكمة ويدعونا لترميم ما أفسدته قراراتنا العابرة.

  6. النص يحمل شحنة أخلاقية وفكرية قوية جداً تجعلنا نراجع تعاملاتنا اليومية.

    شكراً على هذا القلم الذي يكتب بالوعي ويخاطب العقل ببراعة.

  7. لحظة القرار هي بالفعل المحك الحقيقي لنسختنا القادمة التي سنصبح عليها.

    توصيف دقيق لمشاعر المسؤولية الإنسانية بأسلوب أدبي رفيع.

  8. الرقابة الأعمق (الضمير): العقاب الأكبر لا يأتي من نظرات الآخرين، بل من شعور الاغتراب عن الذات؛ أن تنظر في المرآة غدًا وترى فيها نسخة هبطت عن المعايير التي كنت تؤمن بها
    مقالة فلسفية عميقة تناقش الأخلاق والوعي الذاتي.
    .

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى